ما هي إلا سنوات حتى غدا بدرًا يضيء أركان قلبي، بعد أن شملته أحزان رحيل والدته .
كنت كلما نظرت إليه خلسة، أبحث في ملامحه عن وجهها الذي لم يغب عن خاطري يومًا، فأراها تبتسم في ابتسامته، وتطل من عينيه، وكأنها تركت فيه أجمل ما يُبقي الغائب حاضرًا.
واليوم… جاء الموعد الذي طالما انتظرته؛ يوم زفافه. كنت أتابع فرحته وهو إلى جوار عروسه، فأشعر بها تسري في عروقي قبل أن تراها عيناي.
وحين تشابكت يداهما على أنغام الموسيقى، لم أكن أسمع لحنًا، بل كنت أسمع نبض قلبي، وأراهما يرقصان على إيقاعه، وكأن الفرح قد اتخذ من صدري مسرحًا له.
جاءت لحظة عقد القران. كان يردد خلف المأذون في خشوع العهد الذى أخذه على نفسه ليكون زوجا لعروسه ،
أما أنا، فكنت أرى كل كلمة ينطق بها تُكتب نورًا في سجل عمره، وتفتح في قلبي نهرًا جديدًا من المحبة والدعاء.
حينها غلبتني دموع ، حاولت أن أخفيها زمانا حتى لا يراها، لكنها اليوم غدت دموع الفرحة لم أشأ أن أعكر صفو فرحته. لكنها كانت دموعًا لم تعرف الحزن، إنما كانت دموع العمر وهو يحصد ثمرة سنواته،
دموع الأب وهو يرى قطعةً من روحه تبدأ رحلة جديدة.
مضت ساعات العرس كأنها لحظات خاطفة، حتى حان وقت انتهاء الليلة السعيدة . فى خارج القاعة وما إن همّت عروسه بركوب السيارة، حتى شعرت برجفة تهز أعماق قلبي.
تقدم ابنى نحوي، واحتضنني طويلًا، فهمست في أذنه بالدعاء الذي خرج من القلب قبل اللسان:
“بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير، وجعل السعادة رفيقة دربكما، وحفظك وحفظ عروسك.
استقل السيارة، وانطلقت. كنت أتابعها بعيني، ومع كل دورة لعجلاتها كنت أشعر أن قلبي يدور معها، حتى غابت عن ناظري، شعرت حينها أن قلبي قد فارق موضعه، وحلّق خلفها. لكن ما إن استحضرت فرحته، وابتسامته، وسعادته في يوم عرسه، حتى عاد ذلك الطائر إلى عشه، وسكنت رفرفته، واستقرت دقات القلب من جديد. وكأن نبضه يردد في خشوع: “بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير.”
فلتسعد ” ابنى الحبيب “، فلذة القلب، وتوأم الروح.
أسأل الله أن يجعل بيتكما عامرًا بالمودة والرحمة، وأن يرزقكما السكينة، ويكتب لكما عمرًا طويلًا تظلله المحبة، وتزهر أيامه بالخير والبركة.