مدير التحرير —- يكتب
لا حديث يعلو خلال الساعات الأخيرة في أوساط الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي على ما شهدته جولة محافظ القليوبية بعدد من المدارس، في إطار متابعة استعدادات المؤسسات التعليمية لانطلاق العام الدراسي الجديد، وما صاحب الجولة من مشاهد وتصريحات أثارت حالة واسعة من الجدل.
وبعيدًا عن تفاصيل الجولة وما إذا كانت الإجراءات التي اتخذت خلالها مستوفية للأطر القانونية والإدارية،
هنا من حقنا أن نسأل :
هل يجوز أن تتحول المتابعة الميدانية إلى إهانة أو تجريح للعاملين في العملية التعليمية؟
** المشهد الأول،
جرى إعفاء أحد مديري المدارس من موقعه بسبب حضوره إلى المدرسة مرتديًا الجلباب، رغم تبريره بأنه كان يتابع أعمال الصيانة والاستعدادات بنفسه، وهو ما كان يمكن التعامل معه وفقًا للقواعد واللوائح المنظمة للعمل.
لكن أن يُوجَّه إلى مدير مدرسة، أمام وسائل الإعلام والكاميرات، وصف من قبيل:
«أنت مقصر.. أنت فاشل»،
فهنا لا يصبح الأمر مجرد ملاحظة إدارية أو توجيه مهني، وإنما يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول حدود السلطة والمسؤولية،
واحترام كرامة العاملين بالدولة.
* السيد المحافظ..
من حقكم أن تتابعوا، ومن حقكم أن ترصدوا أوجه القصور، ومن حقكم أن تطلبوا التحقيق مع أي مسؤول يثبت تقصيره، لكن يبقى القانون هو الفيصل، وتظل كرامة الموظف العام – أيًا كان موقعه – أمرًا لا ينبغي أن تكون موضعًا للإهانة أمام الكاميرات.
فالمعلم ومدير المدرسة ينتميان إلى مهنة حملت عبر عقود رسالة بناء الإنسان وصناعة الأجيال،
* سيدى المحافظ
ليس من الإنصاف اختزال سنوات طويلة من العمل والعطاء في كلمة جارحة أو حكم سريع أمام الرأي العام.
ولم يكن المشهد الأول وحده كافيًا لطرح علامات الاستفهام،
** جاء المشهد الثاني
خلال زيارة مدرسة أخرى، عندما وُجدت بعض القمامة خلف أحد الأبواب، فوجه المحافظ حديثه إلى مديرة المدرسة بعبارة أثارت بدورها جدلًا واسعًا حول أسلوب الخطاب مع القيادات التعليمية.
وهنا، وبكل احترام، يمكن القول: خانكم التعبير، سيدي المحافظ.
فالمسؤول يستطيع أن يوجه الملاحظة، وأن يحاسب المقصر، وأن يطلب إزالة المخالفة، دون أن تتحول لغة الحوار إلى عبارات تمس كرامة من يقف أمامه.
واللافت أن مديرة المدرسة لم تكتفِ بالدفاع عن نفسها بالكلمات، وإنما واجهت الموقف بالمستندات والمكاتبات الرسمية التي تكشف – بحسب ما عرضته – أنها خاطبت الجهات المعنية بشأن مشكلات المدرسة واحتياجاتها، ومن بينها أعمال تتعلق بالكهرباء والمرافق والصيانة.
بل إنها أوضحت أنها تحملت على نفقتها الخاصة بعض الأعمال اللازمة لإدخال الكهرباء والمرافق إلى المبنى من مالها الخاص
وهنا كان المنتظر أن يتحول المشهد من عتاب مديرة المدرسة إلى فتح ملف المسؤوليات لتكون :
من المسؤول عن تأخر معالجة تلك المشكلات؟
هل تمت متابعة الإدارة التعليمية المشكلة ؟
هل تحركت المديرية لحلها ؟
ماذا فعلت هيئة الأبنية التعليمية؟
وهل تم تحديد أوجه القصور ومحاسبة المسؤول عنها؟
تلك هي الأسئلة التي كان ينبغي أن تكون في مقدمة المشهد، بدلًا من أن تتحول مديرة المدرسة إلى الطرف الذي عليه أن يبرر موقفه، رغم تقديمها مستندات ومكاتبات رسمية تؤكد – بحسب ما عرضته – أنها طرقت أبواب الجهات المختصة بحثًا عن الحل.
وهنا نصل إلى السؤال الأصعب:
بعد انتهاء الزيارة، وبعد التقاط الصور ونقل التصريحات عبر وسائل الإعلام.. ماذا حدث؟
هل جرى اتخاذ إجراءات فعلية لحل المشكلات التي عرضتها مديرة المدرسة؟
هل تم فحص المستندات التي قدمتها؟
هل جرت مساءلة الجهات التي تأخرت في أداء دورها إن ثبت وجود تقصير؟
وهل كانت هناك إجراءات مماثلة في المواقع الأخرى التي رصدت بها مخالفات؟
* السيد الدكتور المحافظ..
نحن لا ندافع عن مقصر، ولا نطلب إعفاء أحد من المساءلة، بل نطالب بأن تكون المساءلة للجميع، بالقانون، وبالقدر نفسه من الجدية.
وبحكم تخصصكم الهندسي، فإن انتظارنا منكم أكبر من مجرد رصد المخالفات أمام الكاميرات؛ ننتظر حلولًا عملية، ومعالجة لأسباب المشكلات، ومحاسبة حقيقية لمن يثبت تقصيره.
فالإصلاح لا تصنعه لقطة أمام الكاميرا، ولا تحققه عبارة قاسية في مواجهة موظف، وإنما تصنعه قرارات عادلة، وحلول ناجعة، ومحاسبة تمتد إلى كل مسؤول عن التقصير، دون استثناء.
ويبقى السؤال الذي لا أملك إلا أن أطرحه بكل وضوح:
إذا كان إهانة موظف أمام وسائل الإعلام أمرًا يستوجب المساءلة..
فمن يحاسب المسؤول عندما يتجاوز حدود سلطته في التعامل مع موظف؟ وهل نملك بالفعل الإرادة السياسية والإدارية لمساءلة المحافظ إذا أخطأ؟
أم أن المساءلة تبدأ دائمًا من أسفل الهرم.. وتتوقف عندما تصل إلى أعلاه؟
الإجابة ليست عندي وحدي.. أعتقد أن الرأي العام كله ينتظرها.



















