كثيرا ما تطالعنا دواوين لشعراء تمرعلينا مرورالكرام لا تترك فى نفوسنا إلا القليل من الآثر فندرك حينها أنها ماهى إلا مجموعة من القصائد المصفوفة بين دفتي كتاب، لكن هناك من الدواوين ما تأتي محمّلة بما هو أكبر من الشعر؛ تأتي حاملةً ذاكرة وطن، ووجع أم، وأسئلة إنسان يبحث عن حقه البسيط في الحياة.
هنا يطالعنا ديوان الإعلامي القديروالشاعر محمد رمضان
«أنا محمد استغربت»؛ فى تجربة شعرية تنحاز إلى الإنسان قبل القصيدة، وإلى الوطن قبل البلاغة، وتبحث في التفاصيل اليومية عن صورة أكثر اتساعًا للواقع المصري والعربي
نكتشف هذا الانحياز الإنساني من خلال قصيدته «كان نفسي أحبك إنت وماكرهش أي حاجة»،
قصيدة تخطت الحديث عن الوطن من شرفة الشعارات، فاقترب منه من أكثر الأماكن وجعًا نعم أكثر الموضع وجعا :
لقمة العيش، والكرامة، والخوف، والفقر، ومشهد الموت الذي أصبح يقتحم البيوت عبر شاشات الأخبار.
جاءت أمنياته شديدة البساطة:
” أن يعيش كل إنسان شريفًا، أن يستيقظ فيجد قطعة خبز في يده، وأن يغمسها في حليب الصباح قبل أن تبدأ الحياة. ثم تأتى المفارقة الغريبة التى تتحول رغم بساطتها إلى سؤال قاسٍ:
لماذا أصبحت اللقمة نفسها مهددة؟
ولماذا يمكن أن يستيقظ الإنسان فيجد نفسه قد فقد الأمل قبل أن يبدأ يومه؟
وتبلغ القصيدة ذروتها حين تعدت حدود التعبير الشعري لتصبح شهادة على واقع اجتماعي وإنساني؛
فالشاعر تعدى مفهوم الجوع باعتباره كلمة، إلى استدعاء صورته وتفاصيله، فوضع القارئ أمام المفارقة المؤلمة :
من خلال صورة من يبحث عن قطعة خبز، ومن يرى على الشاشة موائد عامرة بالطعام. وفي واحدة من أكثر صور القصيدة دلالة،
لهذا جاء رفضه أن يفتح التلفاز، حتى لا يسمع أو يرى مذيعة الأخبار وهي تنقل أخبار الموت، وصور الأشرار وهم يملأون البنادق بالرصاص،
بينما يقوم الشيف في اللحظة ذاتها بحشو ديك رومي بالطعام. إنها مفارقة شعرية صادمة؛ بندقية تُحشى بالرصاص في مشهد، وديك رومي يُحشى بالطعام في مشهد آخر،
المشهدان يقف بينهما إنسان جائع لا يملك إلا أن يتخيل ما لا يستطيع امتلاكه. وتزداد المفارقة حدة حين ينتقل الشاعر إلى شاشة أخرى، حيث تتحول برامج الطعام إلى مشهد يومي آخر
فيجدالقارئ من خلال الأبيات صورة إنسان يلهث خلف لقمة، في مواجهة إنسان يلهط الطعام أمام الكاميرا.
فقوة القصيدة تكمن فى أنها لا تصرخ كثيرًا، لكنها تضع المفارقة أمامك وتتركك أنت لتصدر الحكم
وبحكم خبراته الإعلامية وتجاربه الحياتية نجده انه لم يكتب قصيدته عن الجوع أو الحرب أو الفقروحدهم لكنه اختار أن يكتب عن اختلال ميزان الإنسانية،
حين يصبح الموت خبرًا عابرًا، والجوع مشهدًا معتادًا، والترف عرضًا تلفزيونيًا، بينما الإنسان البسيط يبحث عن أبسط حقوقه:
العيش الشريف المن يعيش والبحث عن خبزه دون أن تُختطف منه اللقمة أو يُسلب منه الأمل.
وتكتمل روعة تجربة الشاعر وصدقه حين رفض أن يضع نفسه فوق الناس، لكنه تحدث كواحد من بينهم وبصوتهم، وكأنه يقول:
“أنا واحد من هؤلاء الذين يريدون أن يحبوا وطنهم دون أن يكرهوا شيئًا فيه” فقصيدته وعنوانها «كان نفسي أحبك إنت وماكرهش أي حاجة»
تعتبر مفتاحًا لقراءة الديوان كله؛
وعاطفة شاعرنا ليست رومانسية منعزلة، بل موقف إنساني، والحب الحقيقي للوطن لا ينفصل عن الدفاع عن الإنسان وحقه في الحياة والكرامة.
ختاما فديوان «أنا محمد استغربت»، يحمل روحًا خاصة؛ عنوانًا يشي بالدهشة والسؤال المؤلم
ماذا حدث حتى أصبح ما كان مستحيلًا بالأمس مشهدًا عاديًا اليوم؟
يصدر الديوان عن تجربة خاصة تعدت كونها تجربة شاعر وإعلامي لتنطلق من نفس شاعره تعرف قوة الصورة، وقيمة الكلمة حين تمتلك صدقها لتصبح القصيدة شاهدًا على عصرها.
تجربة شاعر جعل الوطن حاضرًا لا كخريطة وحدود، بل باعتباره إنسانًا يأكل ويجوع، يفرح ويحزن، يحلم وينكسر، ويبحث عن صباح لا تُختطف فيه اللقمة ولا يُغتال فيه الأمل.
ختاما فتج الديوان أماما سيلا من الأسئلة
هل ما اعتدناه من مشاهد الألم أصبح عاديًا إلى الحد الذي لم نعد نستغربه؟ تلك إحدى وظائف الشعر التى نجح غيها الشاعر من خلال تجربته الصادقة فى أن يعيد إلينا دهشتنا تجاه ما فقدنا من القدرة على الدهشة منه.