بقلم : هشام صلاح
نحن بصدد شاعر تعدى كون الشعرترفا وأن تكون الكلمات باحثة عن التصفيق.
ليكون منطلق ما يكتب أوجاع أمته لتتحول كتاباته إلى صرخة حين يرى ظلمًا، فيضع إصبعه على الجرح دون أن يخشى أن يؤلم أحدًا.
قصيدتنا بدت كأنها لم تُكتب بالأمس، إنما كُتبت صبيحة هذا اليوم!
نعم تغيّرت الوجوه، وتبدلت الأزمنة، وتطورت المدن، وصارت لدينا لغة اقتصادية حديثة تتحدث عن التضخم، وزيادة أسعار، ووقلة الدخل،
لكن المواطن البسيط لا يعنيه المؤشرات الاقتصادية وجداولها لأنه يعيشها في سعر الخبز، وفاتورة الكهرباء، وتكلفة العلاج، ومصاريف التعليم، وإيجار المسكن، وكيس الطعام الذي لم يعد يكفي كما كان
وهنا يصبح الرصافي أكثر من شاعر… يصبح شاهدًا. شاهدًا على سؤال قديم يتجدد كل يوم:
إذا كان الاقتصاد ينمو، فلماذا يشعر بعض الناس أن حياتهم تضيق؟
وإذا كانت الدولة تخوض معركة التنمية، فكيف نضمن ألا يدفع الفقراء وحدهم ثمن الطريق؟
هذه ليست دعوة إلى اليأس، ولا إنكارًا لما تحقق من مشروعات أو برامج وإنما هي دعوة إلى النظر في الوجه الآخر للأرقام؛ وجه الإنسان الذي يقف أمام الأسعار حائرًا، والأسرة التي تعيد ترتيب احتياجاتها، والشاب الذي يؤجل أحلامه لأن متطلبات الحياة سبقت راتبه
الرصافي ليس خبيرا يملك تقارير اقتصادية ولا مؤشرات تضخم، بل امتلك ما هو أخطر: عينًا ترى الإنسان قبل الرقم.
ولذلك فقصيدته اليوم تعدت كونها مجرد نص أدبي نستمتع بجماله، وإنما جرس إنذار ثقافي واجتماعي؛
تذكير بأن مواجهة الفقر ليست مهمة اقتصادية فقط، بل قضية كرامة، وعدالة، ومستقبل. فالفقر لا يطرق الباب مرة واحدة… إنه يبدأ حين تعجز الأسرة عن تلبية احتياجاتها، ويكبر حين تضيق الأحلام، ويصبح خطرًا حين يفقد الإنسان شعوره بأن الغد يمكن أن يكون أفضل.
ومن هنا نقرأ الرصافي من جديد، لا لنبحث عن الماضي، وإنما لنفهم الحاضر. فربما كان الشاعر قد رحل منذ زمن طويل، لكن صوت الفقراء الذي حمله لم يرحل بعد
. وهذه القصيدة… ليست قصيدة عن الفقر فقط. إنها سؤال في وجه المجتمع كله:
ماذا فعلنا كي لا يصبح الفقر قدرًا يتوارثه الأبناء عن الآباء؟