بين ما نريده وما نعجز عن فعله كتب نزار هذه القصيدة، فهو يقف حائرا بين الحب بوصفه انتصارًا، والفراق بوصفه قرارًا نهائيًا؛
يكتب معبرا عن تلك المنطقة ” الرمادية ” المربكة بين ما نريده وما نعجز عن فعله، بين العقل الذي يُصدر الأحكام، والقلب الذي لا يعترف بها.
منذ السطر الأول، يضعنا النص أمام اعتراف صريح بالهزيمة:
“وعدتك أن لا أحبك… ثم أمام القرار الكبير… جبنت”
هنا تبدأ الحكاية. الشاعريقدم وعود متتالية، وقرارات صارمة، ثم انهيار جميل أمام سطوة الحنين. فكلما قال :
” وعدتك أن لا ” جاءت الحياة لتقول له : بل ستفعل.”
وهذه المفارقة تعد الأجمل في النص؛
فالشاعر لا يحاول إقناع محبوبته بأنه قوي، بل يعترف أمامها بأنه ضعيف أمامها تحديدًا. يعود بعد أن قرر الرحيل، ويشتاق بعد أن أقسم ألا يشتاق، ويكتب رسالة الحب بعدما أقسم ألا يكتبها.
نلاحظ أن الكاتب تعدى فى قصيدته الاعتماد على الصور الشعرية وحدها، فاعتمد على التصاعد الدرامي للاعتراف
. فكل وعد جديد يبدو أكثر صرامة من سابقه، وكل خرق لذلك الوعد يأتي أكثر انكشافًا وصدقًا.وعندما يقول:
” وعدتك أن لا أكون ضعيفًا… وكنت “
ليصل بنا إلى إقرار تلك الحقيقة يظن كثيرون أن الحب الحقيقي يجعل الإنسان أقوى بالضرورة، لكنه يكشف مقدار ضعفه..
بعدها تتجاوز القصيدة فكرة الحب العاطفي المباشر، لتصبح قصيدة عن العجز الإنساني أمام المشاعر؛ عن الإنسان الذي يعلن قراره، ثم يكتشف أن قلبه لم يكن حاضرًا لحظة اتخاذ القرار.
حتى النهاية تأتي منسجمة مع هذا البناء:
” وعدتك أن لا أكون بأي مكان… تكونين فيه وحين عرفت بأنك مدعوة للعشاء… ذهبت”
يا لها من نهاية تختصر القصيدة كلها!
فبعد كل الوعود، وكل محاولات الانسحاب، وكل القرارات، يبقى الفعل الوحيد الصادق هو: ذهبت.
وهكذا ينجح النص في تحويل التناقض إلى حالة شعرية؛
فالشاعر ليس كاذبًا حين يعد، وليس مخادعًا حين يخلف وعده، وإنما هو إنسان يحاول أن ينتصر على قلبه، وفي كل مرة يكتشف أن القلب كان أسرع منه.
إنها قصيدة عن الهزيمة الجميلة أمام الحب؛ هزيمة لا تحتاج إلى اعتذار، لأن بعض الوعود لا نكسرها بإرادتنا، وإنما يكسرها الحب نيابةً عنا.