بقلم: هشام صلاح
أحيانًا لا نحتاج إلى كثير من الكلام كي تستكين أرواحنا، فقد تأتي الطمأنينة في آية، وتصل الرسالة في لحظة لا نتوقعها، وكأن القرآن يخاطبنا نحن، ويعرف ما تخفيه صدورنا من وجع واضطراب.
بعد غياب عام كامل، جاءت ابنتي وأسرتها لقضاء إجازتهم السنوية معنا، تحمل معها أجمل ما في الحياة: الأمل، والدفء، وطفلها الجميل «جواد».
كانت أيامًا قليلة، لكنها كانت ممتلئة بالسعادة والضحكات والسمر والبهجة. وكان حفيدي الصغير هو بطل تلك الأيام؛ يملأ البيت بحركته ولعبه وانطلاقته، فنضحك معه، ونلهو بصحبته، ونخرج للنزهة، ونحاول أن نختزن في ذاكرتنا أكبر قدر ممكن من تلك اللحظات.
كم ضحكنا… وكم لعبنا… وكم تمنيت لو توقفت عقارب الساعة قليلًا!
لكن الأيام لا تنتظر أحدًا، ومضت سريعًا، حتى جاء الموعد الذي كنت أخشاه: موعد عودتهم ورحيلهم عن منزلنا. لم أكن لأحتمل لحظة الوداع.
خرجت منذ الصباح الباكر، بحجة إنجاز بعض الأعمال، لكن الحقيقة أنني كنت أهرب من تلك اللحظة التي أعرف أن عيني لن تقوى على مواجهتها.
أنهيت ما ورائي من أعمال، ثم تواصلت معهم، فعرفت أن موعد مغادرتهم لم يحن بعد. وآثرت ألا أعود إلى المنزل، فبقيت في الخارج، أسير في الطرقات بلا وجهة واضحة، وكأنني أحاول أن أهرب من إحساس يثقل القلب ولا يعرف طريقًا للخروج.
حتى قادتني خطواتي إلى المسجد.
لم يكن موعد الصلاة قد حان بعد، فدخلت وجلست، ثم توضأت، وأخذت أستمع إلى تلاوة القرآن المنبعثة من مذياع المسجد.
وحين حان وقت الصلاة، هممت بإقامتها، فإذا بصوت المقرئ يتردد في أرجاء المسجد، متلوًا قول الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ﴾
توقفت أمام الآية.
شعرت في تلك اللحظة أنها لم تأتِ إلى مسمعي مصادفة، وأنها تحمل لي من الطمأنينة ما كنت أبحث عنه منذ الصباح.
لم أفكر في تفسير الآية بمعناها الخاص بالسياق القرآني، وإنما شعرت بوقعها على قلبي في تلك اللحظة؛ وكأنها تذكّرني بأن الغياب ليس نهاية، وأن الفراق لا يعني انقطاع اللقاء، وأن ما نحبه قد يعود إلينا في موعد يقدره الله.
كانت لحظة سكون بعد اضطراب، وطمأنينة بعد ألم.
أديت الصلاة، وبين الركوع والسجود والدعاء، لم أجد ما أطلبه لنفسي، وإنما دعوت لابنتي وأسرتها أن يحفظهم الله، وأن يردهم إلينا سالمين، وأن يعيدوا مرة أخرى تلك البهجة التي ملأت البيت، وأعادها «جواد» إلى قلبي قبل أن يغادره.
هكذا كانت تلك الآية بالنسبة لي في تلك اللحظة…
رسالة قرآنية جاءت في موعدها، لتقول للقلب المتعب: اطمئن… فما عند الله لا يضيع، واللقاء وإن تأخر، فله موعد.