رفقًا بأصحاب المعاشات، فهم أبناء هذا الوطن الذين ضربوا أروع الأمثلة في الإخلاص والتفاني، وأفنوا أعمارهم في خدمة مصر، وضحّوا بأوقات سعادتهم وراحتهم، مؤمنين بأن العمل رسالة، وأن العطاء واجب، وأن خدمة الوطن شرف لا يضاهيه شرف.
أصحاب المعاشات أولئك الذين حملوا الأمانة سنوات طويلة، وبذلوا من جهدهم وصحتهم وشبابهم الكثير، حتى إذا وهن الجسد، وضعفت القوة، وأحيلوا إلى المعاش، وجدوا أنفسهم أمام واقع معيشي صعب، تتزايد أعباؤه وتتراجع قدرتهم على الوفاء بمتطلبات الحياة
السؤال / أليس من حق هؤلاء أن يكرمهم الوطن بعد رحلة العطاء؟
أليس من حقهم أن يجدوا في سنوات العمر الأخيرة ما يخفف عنهم مشقة الحياة، ويصون كرامتهم، ويمنحهم شعورًا بأن الوطن لم ينسَ فضلهم، ولم يتخلَّ عمن أفنوا أعمارهم في خدمته؟
إن المعاش الذي يليق بما قدمه هؤلاء من الخطأ والاجحاف اعتباره منحة أو تفضلًا، لأنه هو حق أصيل —- لماذا !؟
* هم أولًا أصحاب أموال اقتُطعت من دخولهم على مدار سنوات العمل،
*وهو ثانيًا حق مستحق نظير ما قدموه من جهد وعطاء في مواقعهم المختلفة. ومن ثم،
فإن توفير حياة كريمة لأصحاب المعاشات يتعدى كونه مجرد واجب اجتماعي، لأنه استحقاق إنساني ووطني.
وكم يؤلمني أن أقرأ شكوى أحد أبناء مصر الذين طالما أسعدونا بعطائهم، فإذا به اليوم يشكو ضيق الحال وقسوة الظروف !
لقد استوقفتني شكوى الإذاعي الكبير رضا عبد السلام، رئيس الإذاعة المصرية الأسبق، بعد خروجه إلى المعاش؛ ذلك الصوت الذي ارتبط في وجدان أجيال من المصريين بذكريات جميلة، وأصوات أصيلة، وزمن كانت فيه الإذاعة مدرسة للوعي والثقافة والقيم.
كم أشجانا بصوته الرخيم ! وكم صحونا على نبراته المميزة !
وهو يقدم برامج الإذاعة الخارجية، أو يحاور ضيفًا، أو ينقل إلينا نفحات من القيم والآداب والتعاليم الإسلامية، في أداء إذاعي يعبّر عن مدرسة مهنية عريقة،
مدرسة كان أبناؤها يؤمنون بأن الكلمة أمانة، وأن الإعلام رسالة قبل أن يكون وظيفة. وإذا كان هذا هو حال قامة إذاعية بحجم رضا عبد السلام،
– فما بالنا بغيره من أصحاب المعاشات الذين لا يملكون منابر يعبّرون من خلالها عن معاناتهم، ولا يجدون سبيلًا إلى إيصال أصواتهم وشكاواهم؟
لقد حملت شكواه، كما نُشرت، معاناة تستحق التوقف أمامها؛
إذ تحدث عن عدم حصوله على مكافأة نهاية الخدمة، وعن معاش لا يكفي متطلبات الحياة، فضلًا عن معاناته في شأن الحصول على العلاج.
وهنا يفرض السؤال نفسه:
– كيف يطمئن الموظف إلى مستقبله بعد سنوات طويلة من العمل، إذا كان خروجه إلى المعاش يعني أن يبدأ رحلة جديدة من القلق على قوت يومه، واحتياجات أسرته، وتكاليف علاجه؟
إن الأمر يتعدى الحديث عن شخص واحد، مهما كانت مكانته، لأنها قضية أوسع تمس شريحة كبيرة من أبناء الوطن، ممن أمضوا سنوات عمرهم في ميادين العمل المختلفة، وكانوا يومًا عصب المؤسسات، وركيزة الإنتاج، وأصحاب الفضل في استمرار عجلة العمل والبناء.
مصرنا الحبيبة.. رفقًا بأصحاب المعاشات. إنهم أبناؤك الذين أعطوك من أعمارهم، وبذلوا من صحتهم وجهدهم، وأسهموا في بناء مؤسساتك وصناعة أجيالك.
مصرنا الحبيبة ، لا تتركيهم فريسة للعجز والحاجة،
مصرنا الحبيبة ، لا تجعلي سنوات العطاء الطويلة تنتهي برحلة شاقة بحثًا عن حياة كريمة
إننا نناشد الحكومة والجهات المعنية أن تنظر إلى أحوال أصحاب المعاشات نظرة جادة، وأن تعمل على تحسين دخولهم بما يتناسب مع أعباء المعيشة، وسرعة صرف مستحقاتهم ومكافآت نهاية الخدمة، وضمان حصولهم على الرعاية الصحية اللائقة، دون أن تتحول الشيخوخة إلى عبء إضافي، أو يصبح المرض بابًا جديدًا للمعاناة
. فالأمم لا تُقاس فقط بما تشيده من مبانٍ، أو تحققه من مشروعات، وإنما تُقاس أيضًا بمدى وفائها لمن خدموها، وحرصها على كرامة من أفنوا أعمارهم في بنائها.
مصر.. أما آن أن تنظري إلى أبنائك نظرة أمٍّ رحيمة، فتضمدي جراحهم، وتصوني كرامتهم، وتردّي إليهم بعضًا من جميل سنوات العطاء؟
رفقًا بأصحاب المعاشات؛ فهم لم يطلبوا إلا حقهم، ولم ينتظروا سوى الوفاء، ولم يقدموا أعمارهم للوطن إلا إيمانًا بأن مصر تستحق. حفظ الله مصر وأبناءها،
وجعل الوفاء لأهل العطاء نهجًا لا يتغير، وحقًا لا يضيع