السادة موظفو البريد… احترموا آدمية المواطنين وأعلموا أن قيمة أي مؤسسة حكومية ليست في مبانيها الحديثة، ولا في أجهزتها المتطورة، وإنما في مقدار احترامها للإنسان الذي جاءت لخدمته.
فلتعلموا أن المواطن ليس رقمًا في طابور، ولا ملفًا ينتظر ختمًا، إنما هو إنسان له كرامة، وله حق أصيل في أن يتلقى الخدمة في بيئة تحفظ آدميته.
لقد أنشأت الدولة الهيئة القومية للبريد لتكون أحد أهم المرافق الخدمية في مصر، لها دور محوري في تقديم الخدمات البريدية والمالية والرقمية، تحقيق الشمول المالي، وصرف المعاشات، وإنجاز معاملات ملايين المواطنين.
فرسالة البريد ليست مجرد إنجاز المعاملة،لكن رسالتها الحقيقية تمتد إلى حسن استقبال المواطن واحترام ظروفه
قد شاءت إرادة الله أن أتوجه إلى مكتب بريد كفر طهرمس لإنهاء بعض الإجراءات الخاصة بالشهر العقاري. وما إن وصلت حتى وجدت أعدادًا كبيرة من المواطنين تنتظر دورها.
أحسب لمسؤول الأمن حسن تنظيم الدخول وفق الطاقة الاستيعابية للمكتب، وهو أمر يستحق الإشادة. غير أن المشهد داخل المكتب كان صادمًا.
صالتان يفصل بينهما حاجز زجاجي؛
الأولى يجلس فيها الموظفون وسط أجهزة تكييف تعمل بكفاءة،
والثانية يجلس فيها المواطنون في حرارة خانقة، بعدما توقفت عن عمد أجهزة التكييف عن العمل. كبار السن، والمرضى، والنساء، والأطفال… وجوه أنهكها الحر، وقطرات العرق تتساقط في صمت،
المعذبون يقفون أو يجلسون في انتظار خدمة هي حق لهم، لا منحة يتفضل بها أحد.
والحقيقة أن المؤلم لم يكن حرارة الجو وحدها، إنما الإحساس بأن معاناة الناس لا تجد من يلتفت إليها أو يبادر إلى تخفيفها
إن الوظيفة العامة تكليف قبل أن تكون تشريفًا، ورسالة قبل أن تكون راتبًا. والموظف الذي يجلس خلف مكتبه إنما وجد لخدمة المواطن، لا ليشعره بالفارق بين من ينعم بالراحة ومن يكتوي بالمشقة.
إننا لا نعمم الحكم على جميع العاملين بالبريد، فبينهم نماذج مشرفة تستحق كل تقدير، لكن معالجة أوجه القصور واجب لا يحتمل التأجيل،
فكرامة المواطن هي المعيار الحقيقي لنجاح أي مؤسسة خدمية.
ومن هنا،
فإننا نناشد قيادات الهيئة القومية للبريد بتكثيف المرور الميداني على مكاتب البريد، ومتابعة مستوى الخدمات، والتأكد من تشغيل وسائل التهوية والتكييف، وحسن معاملة المواطنين، خاصة كبار السن وذوي الأمراض وأصحاب الاحتياجات الخاصة.
فالدولة المصرية تضع المواطن في قلب عملية التنمية، وتسعى إلى الارتقاء بجودة الخدمات العامة،
ومن ثم فإن أي ممارسة تنتقص من كرامة المواطن لا تعبر عن توجه الدولة، ولا عن الرسالة التي أنشئت من أجلها مؤسساتها. ويبقى السؤال:
هل يصعب أن يجلس المواطن دقائق معدودة في مكان تتوافر فيه أبسط مقومات الراحة والكرامة، وهو الذي جاء طالبًا خدمةً كفلها له القانون؟
إن احترام آدمية الإنسان لا تعد رفاهية… إنما هى واجب، وحق، ومسؤولية..