كان من الواضح أن حملاتهم ستحظى باهتمام واسع؛ فأصواتهم مسموعة، وأقلامهم حاضرة في مواجهة كل ما يرونه متعارضًا مع تصوراتهم وأهدافهم.
عندما وُجّهت الانتقادات إلى مكبرات الصوت المنبعثة من المساجد، رغم أن استخدامها لا يتجاوز دقائق معدودة يوميًا، بدا المشهد وكأنه أُعد مسبقًا: حملات إعلامية، وضغوط نفسية، واستدعاء لمعاناة المرضى، والتأكيد على تأثير الصوت في الطلاب والأطفال، إلى جانب مبررات أخرى استُخدمت لتسويغ الهجوم الحاد.
فهل كان تنظيم مستوى الصوت هو الهدف منذ البداية؟
أم أن القضية، في جوهرها، تتجاوز بضعة «ديسيبلات» لتتصل بصراع أوسع حول حضور الدين في المجال العام؟
من حق أي إنسان أن يطالب بتنظيم مستوى الصوت إذا كان مرتفعًا بصورة مؤذية أو مزعجة، وهذا حق لا ينبغي إنكاره. غير أن الإشكال يبدأ عندما يتحول تنظيم الصوت إلى ذريعة لمحاصرة الشعيرة ذاتها، أو إلى محاولة لتهيئة بيئة نفسية واجتماعية يُنظر فيها إلى صوت الأذان والتكبير والقرآن باعتباره «تلوثًا سمعيًا» ينبغي التخلص منه.
في هذه الحالة، لا نكون أمام قضية إدارية محضة، بل أمام سؤال يتصل بالهوية والثقافة وطبيعة المجتمع.
من خفض الصوت إلى تغييب الشعيرة
في بعض الخطابات، يبدو الأمر وكأنه يتدرج خطوة بعد أخرى: تبدأ المطالبة بخفض الصوت، ثم قصر استخدام مكبرات الصوت على الأذان، ثم الانتقال إلى انتقاد صوت التكبير والقراءة، وصولًا إلى تكريس تصور عام يعتبر كل حضور ديني مسموع في الفضاء العام نوعًا من الإزعاج.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
هل تكمن المشكلة فعلًا في ارتفاع الصوت، أم في وجود الصوت ذاته؟
فالضوضاء ليست حكرًا على المساجد. هناك أصوات مرتفعة تصدر من قاعات الأفراح والحفلات والمقاهي ووسائل النقل وغيرها، وقد تمتد لساعات طويلة، ومع ذلك لا تتحول دائمًا إلى قضية تمس الهوية أو تُطرح باعتبارها خطرًا على المجتمع.
ومن ثم، ينبغي تطبيق معيار واحد على الجميع: احترام راحة الناس، مع احترام الشعائر الدينية في الوقت نفسه.
ماذا تقول لنا التجارب التاريخية؟
يقدم لنا التاريخ نماذج تستحق التأمل.
ففي عهد الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، شهدت تونس سياسات علمانية قوية وتدخلًا واسعًا من الدولة في بعض جوانب الحياة الدينية، ولا سيما خلال ستينيات القرن الماضي. ومن أبرز الأمثلة موقف بورقيبة من صيام رمضان ومحاولاته الحد من بعض الممارسات الدينية التي رأى أنها تتعارض مع مشروع الدولة الحديثة.
لكن هل وصلت تونس إلى الحداثة والتقدم بإلغاء الشعائر الدينية؟
بالطبع لا.
ففي الحداثة المصرية , تتعانق الكنائس مع المآذن ويدافع المسيحيين قبل المسلمين عن حق الأذان , ويسعى شاب مسيحي للفوز بجائزة العمرة لكي يهديها لجارتة المسلمة , ويفضل رجل مسلم جاره المسيحي على أخوه المسلم في الكرم والعطاء , فلن تسطيع حداثتكم النيل من هذا الموروث الأنساني والمجتمي مهما فعلتم .
فالحداثة لا تُقاس بمدى إبعاد الدين عن المجتمع، وإنما بقدرة الدولة على بناء مؤسسات قوية، واحترام القانون، وتحقيق العدالة، وصون الحريات، وتنظيم الاختلاف بين المواطنين.
أما تركيا، فتقدم تجربة أكثر وضوحًا.
ففي عام 1932 فُرض الأذان باللغة التركية بدلًا من العربية، ثم جرى في عام 1941 تجريم رفع الأذان بالعربية، واستمر هذا الوضع حتى عام 1950، حين أُزيل الحظر وعاد الأذان باللغة العربية.
وهنا ينبغي أن نتساءل: هل أدى تغيير لغة الأذان إلى بناء مجتمع أكثر تقدمًا؟
لقد عادت الشعيرة إلى صورتها السابقة، ولم يؤد ذلك إلى انهيار تركيا أو توقف مسار الحداثة فيها.
وفي أوزبكستان، فُرضت قيود على رفع الأذان عبر مكبرات الصوت في عهد الرئيس إسلام كريموف، ثم رُفعت تلك القيود لاحقًا في عهد الرئيس شوكت ميرضيائيف.
ولا تعني هذه التجارب أن كل تنظيم لاستخدام مكبرات الصوت يمثل مقدمة حتمية لمنع الأذان، لكنها تعلمنا درسًا مهمًا:
حين تتحول الإدارة إلى أداة لمحاصرة الشعائر، فإن المسألة لا تعود مجرد تنظيم للصوت.
الأذان ليس مجرد صوت
الأذان في وجدان المسلم ليس مجرد موجات صوتية تنتقل في الهواء.
إنه إعلان عن دخول وقت الصلاة، وتذكير بالله، ورسالة روحية تتكرر بإيقاع يومي منتظم.
وهو، بالنسبة إلى أجيال كاملة، جزء من الهوية السمعية للمدينة والقرية والحي.
لقد نشأت أجيال على سماع:
الله أكبر… الله أكبر.
وارتبط هذا الصوت في الوجدان بالعودة إلى السكينة بعد صخب الحياة، وبالانتقال من الانشغال بالمادة إلى لحظة من التأمل والعبادة.
ومن منظور نفسي واجتماعي، يمكن للأصوات المتكررة المرتبطة بالذكريات والتجارب الجماعية أن تكتسب قيمة عاطفية عميقة لدى أصحابها. ولذلك فإن اختفاء صوت ارتبط بوجدان الإنسان منذ طفولته قد لا يمثل بالنسبة إليه مجرد اختفاء «صوت»، بل فقدان جزء من المشهد المألوف الذي تشكلت داخله ذاكرته.
ولهذا، فإن اختزال الأذان في الخطاب العام إلى مجرد «إزعاج» قد يؤدي إلى تجريده من أبعاده الروحية والاجتماعية، وحصره في جانبه الصوتي فقط.
المسجد وإيقاع المجتمع
لم يكن المسجد عبر التاريخ مكانًا للصلاة فحسب، بل كان في كثير من المجتمعات الإسلامية مركزًا للتواصل والتعليم والتكافل والتعارف.
وكان الأذان يضبط أحد إيقاعات الحياة اليومية؛ فيذكّر الناس بمواعيد الصلاة، ويجمعهم في لحظات متكررة، ويمنح المجتمع أوقاتًا مشتركة يتوقف فيها الناس عن صخب الحياة ليتجهوا إلى العبادة.
ومن هنا يمكن فهم البعد الاجتماعي للأذان.
فصوت الصلاة في الفضاء العام يذكّر المسلم بانتمائه إلى جماعة أكبر من ذاته، ويمنحه إحساسًا بالاستمرارية التاريخية والثقافية.
ولذلك، فإن تغييب هذا الصوت بالكامل قد يُفهم لدى البعض باعتباره أكثر من مجرد قرار تنظيمي؛ فقد يُفهم باعتباره إقصاءً لجزء من الذاكرة الثقافية للمجتمع.
بين العلمانية ومعاداة الدين
وهنا ينبغي التحلي بالدقة.
فليس كل من يعترض على ارتفاع صوت الأذان معاديًا للدين.
هناك فرق بين أن يقول شخص:
«صوت مكبر الصوت مرتفع، فلنخفضه حفاظًا على راحة السكان.»
وهذا اعتراض تنظيمي مشروع.
وبين أن يقول:
«ينبغي تنظيم استخدام مكبرات الصوت في جميع دور العبادة، مساجد وكنائس، حفاظًا على الهدوء.»
وهذا موقف مدني يمكن مناقشته بعيدًا عن الاستهداف الديني.
لكن الأمر يختلف عندما يقول شخص:
«لا ينبغي أن تُسمع الشعائر الدينية في المجال العام أصلًا.»
فهنا نقترب من موقف أيديولوجي يرى أن الدين ينبغي أن يُحاصر داخل المجال الخاص.
ويصبح الأمر أكثر وضوحًا إذا قال أحدهم:
«يجب التخلص من الأذان لأنه يمثل الإسلام الذي أرفضه.»
فهنا لا يعود الحديث عن مستوى الصوت، وإنما عن موقف من الشعيرة ذاتها.
ولهذا، فإن السؤال الصحيح ليس:
هل يعترض فلان على الأذان؟
بل:
لماذا يعترض؟
فالسبب هو الذي يكشف طبيعة الموقف.
وماذا عن أقباط المهجر؟
ومن اللافت أن بعض الأصوات التي تهاجم الأذان أو تطالب بمنعه تأتي من خارج مصر، ومن بعض أبناء أقباط المهجر.
وهنا يحق لنا أن نتساءل، دون تعميم أو اتهام:
ما الذي يضير إنسانًا يعيش خارج وطنه من صوت أذان يُرفع في حي مصري؟
وإذا كان الاعتراض متعلقًا بارتفاع الصوت، فالحل واضح: تنظيم مستوى الصوت.
أما إذا كان الاعتراض على مجرد وجود الأذان في الفضاء العام، فهنا تصبح القضية مختلفة تمامًا؛ لأنها لا تتعلق بمكبر صوت، وإنما بطبيعة المجتمع وهويته الثقافية والدينية.
وفي المقابل، ينبغي التأكيد أن الأقباط المصريين جزء أصيل من نسيج المجتمع المصري، وأن الدفاع عن الأذان لا ينبغي بأي حال أن يتحول إلى هجوم على المسيحيين أو إلى خطاب كراهية ضدهم.
فكما نريد احترام الأذان، علينا احترام أجراس الكنائس وشعائر المسيحيين، وأن يكون المعيار واحدًا للجميع: لا إقصاء، ولا اعتداء، ولا ضوضاء مؤذية، ولا تمييز.
الأذان رسالة سلام
الأذان في جوهره ليس دعوة إلى الصراع، ولا إعلانًا للحرب، ولا نداءً ضد أحد.
إنه يبدأ بعبارة:
الله أكبر.
ومعناها في وجدان المؤمن أن الله أعظم من كل قوة متجبرة، وأكبر من الظلم والخوف والمادة، وأكبر من الإنسان حين يظن أنه استغنى عن خالقه.
ثم يأتي:
حي على الصلاة… حي على الفلاح.
إنها دعوة إلى الصلاة والفلاح، لا إلى الكراهية.
ومن هنا، فإن تصوير الأذان باعتباره تهديدًا للمجتمع أو مصدرًا للصراع يحتاج إلى مراجعة موضوعية.
نعم، اضبطوا الصوت إذا ارتفع أكثر مما ينبغي.
نعم، راعوا المرضى والأطفال والطلاب وكبار السن.
نعم، طبّقوا قواعد موحدة على جميع مصادر الضوضاء.
لكن لا تجعلوا من التنظيم جسرًا إلى الإقصاء.
وأخيرا
إن معركة الأذان، إذا تحولت من نقاش حول مستوى الصوت إلى محاولة لإسكات الشعيرة، فلن تكون معركة «ديسيبلات» كما تبدو في ظاهرها، وإنما ستكون معركة حول سؤال أكبر:
أي مجتمع نريد؟
هل نريد مجتمعًا يحترم تعدده، وينظم حياته بقواعد عادلة، ويكفل لكل جماعة حقها في ممارسة شعائرها؟ أم مجتمعًا يعتقد أن التحديث لا يتحقق إلا بإسكات صوت الدين في المجال العام؟
إن مصر ليست بحاجة إلى معركة بين المسجد والكنيسة، ولا بين المتدين والعلماني، ولا بين المسلمين والمسيحيين.
مصر بحاجة إلى قاعدة واحدة للجميع:
لا تؤذِ جارك، ولا تمنعه من ممارسة شعيرته، ولا تفرض عليه ما لا يفرضه القانون، ولا تجعل اختلافك معه سببًا لإقصائه.
فالأذان الذي يوقظ المؤمن إلى الصلاة لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للكراهية، كما أن المطالبة بالهدوء لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لإلغاء الهوية.
فليُضبط الصوت… ولكن لا تُخنق الشعيرة.
وليكن صوت الأذان، كما ينبغي أن يكون، تذكيرًا بأن فوق ضجيج العالم صوتًا آخر يدعو الإنسان إلى السكينة والرحمة والفلاح.
وإذا كان من حق الإنسان أن يطلب ألا يُزعج، فمن حق المجتمع كذلك ألا يُطلب منه أن يتنكر لذاكرته وهويته وشعائره.
فالحداثة الحقيقية لا تعني أن نصمت جميعًا، وإنما أن نتعلم كيف نعيش معًا دون أن يؤذي أحدنا الآخر.