فى مساء ليلة هادئة النسيم ، بديعة الجمال ، تكحل القمر فيها بسواد ليلها ، كنت على موعد ، فنزلت له على مضض ، سرت بضع خطوات أشرت لإحدى السيارات ، توقفت السيارة جلست ولم يشغلنى من بجوارى
أو يهمنى ، إلى أن رن هاتفه ، فإذا بنغمة الهاتف مقدمة أغنية ” مضناك جفاه مرقده “
هنا تمنيت ألا يجيب صاحب الهاتف لانسجامى مع النغمات ، همت مع اللحن وبدأت رأسى تتمايل طربا ،
زاد من طربى أن صاحب الهاتف فضل عدم الرد فاستمر اللحن وأن به هائم ، صمت الرنين فاظهرت بعض التأفف ، لاحظه صاحب النغمة ولم ألحظه
-فكان المفاجأة أن من بجوارى عبث بهاتفه ثوان بعدها بدأ لحن القصيدة ينساب إلى أذنى ، فتمايلت طربا للمرة الثانية – هنا قررت أن أشكر ذكاءه
استأذنت أذنى أن اسمح لعينى بأن تلتفت لمن بجوارى فى تلك اللحظة تاه اللحن عن أذنى
وقعت عيناى على الوجه الذى يجلس إلى جوارى – فماذا وجدت ؟
وجدت بدرا تشكل فى وجه فأطل على بنوره ، وحاشاه أن يكون ككل الوجوه ، وجه زينته عينان حوراوان – لشدة اتساعهما – حولهما هالة من كحل كأنها حارس أمين على ياقوتتين
لم يقدر لسانى أن ينبث بكلمة وكأنه ولد أبكما ، لاحظت باتسامة ملائكية انبهارى بحسنها – فبادرتنى
– هل تعجبك هذه القصيدة ولحنها وآداؤها ؟
– خفق قلبى خفقة سمع صداها فى صوتى يقول : نعم هى من أحب وأروع ما كتب أمير الشعراء شوقى !
– همست اسمح لى ، أراك محبا للشعر رائع الذوق تملك قدرا من الحس المرهف
– لثوان معدودات عجزت عن الرد بعد أن تنازعنى شعوران الدهشة والهيام
تملكت مشاعرى وأجبتها :
كتب أميرالشعرو الشعراء أحمد شوقي قصيدة “مضناك” بدافع المعارضة الشعرية (مجاراة الشعراء السابقين والتفوق عليهم). حيث عارض بها القصيدة الأندلسية الشهيرة “يا ليل الصب متى غده” للشاعر أبى الحسن الحصرى القيروانى ليصور فيها أسمى معاني الحب، ولوعة الشوق، وعذاب الفراق بأسلوب عذب
– ردت قائلة :
كنت أظنه كتبها بدافع الحب لمن ملكت قلبه !
قلت :
لم تُكتب القصيدة لقصة حب شخصية أو واقعية لـ”شوقي”، بل جاءت كإبداع فني يتحدى فيه القصائد القديمة. وقد اشتهرت القصيدة أكثر بعد أن لحنها وغناها الموسيقار محمد عبد الوهاب
– بادرتنى :
ولمن تحب سماعها ” عبد الوهاب ” ” أنغام ” ” ولاء الجندى “
سيدتى :
فخامة الآداء والتمكن لعبد الوهاب ، لوعة المحب وجراحه مع شقاوة الآداء لأنغام ، مراعاة أصول الطرب والحذر لولاء الجندى .
– هنا كان ما انتظرته منها حين قالت :
ممكن تشرح لى معنى هذا البيت /
ويناجي النجم ويتعبُهُ ويقيم الليل ويقعدُه
* تنهت تنهيدة كادت تمزق قلبى قائلا :
يالوعة المحب فلشدّة ما يقاسي الصب من انفصاله عن محبوبته، فإنه يتحدث مع النجم ليلًا يشكو له جناية المحبوب، حتّى أن النجم تعب منه
– لاحت منى إلتفاته إلى السائق عبر مرآته فلمحت قسمات وجهه وقد ابهره الحديث
فهونت عليه وأنا أقول :
ياااااه ما أرق الحبيب وأضعفه حين يقسو عليه الحبيب
رد قائلا :
سيدى لقد أتعبتنى ولكننى استمتع بحديثكما وبما أتعبنى ممكن تفسر لى أنا أيضا قوله شوقى :