بقلم : هشام صلاح
يكتب الكثيرون كلمات وعبارات على الورق فمنها ما يخرج من اللسان فلا يتجاوزالآذان ومنها ما يخرج من القلب فيسكن فى القلب والوجدان ،
كذا الحال فى علامات الترقيم يعتقد البعض أنها مجرد إشاراتٍ تنظّم الجمل والفقرات؛ أما أصحاب الموهبة والجمال والحس فيمنحون هذه العلامات حياةً أخرى، ويجعلون منها جزءًا من تجربتهم الإنسانية.
هذا تحديدًا ما فعلته الكاتبة عزة عز الدين في نصها اللافت «ثرثرة قلم أخضر»،
القارىء المتعجل يظن أنها ظاهرة استعادةً لصفحة قديمة، أما القارىء الفطن المحب لفنون الكتابة فلا يخفي عليه أنه أمام رحلةً إلى الذات والذاكرة واللغة
وحين تعود عزة إلى صفحتها القديمة التي أغلقتها مصادفة، تكتشف أن الزمن استطاع أن يغيّر بعض تفاصيل حياتها، لكنه لم ينجح في تغيير ملامح روحها.
فنجد الكاتبة تأخذنا عبر رحلة بين الخواطر القديمة والصور والعناوين، تستعيد فيها امرأةً كانت تكتب بلا حسابات أدبية، ولا تنشغل بالتصنيفات أو التوثيق، وإنما كانت تكتب كما يشعر القلب: فرحًا، وأملًا، وندمًا، وصدمةً وانكسارًا.
هنا نجد أنفسنا أمام أجمل مناطق النص؛ فلقد استطاعت الكاتبة أن تحول علامات التشكيل والترقيم من أدوات لغوية إلى مفاتيح للذاكرة.
فالضمة عند عزة ليست مجرد حركة فوق حرف، وإنما تستدعي في ذاكرتها عناق الأب الذي غيّبه الموت،
والكسرة تصبح صورةً للحظات الانكسار، والفتحة تفتح بابًا لحكاية لم تكن متوقعة،
أما الشدة فتتحول إلى معنى إنساني تتشبث به في علاقاتها بمن تحب.
حتى السكون، ذلك الرمز الصغير الذي يبدو في كتب اللغة مجرد علامة، يصبح عندها مساحةً للطمأنينة والاستقرار، وفراغًا يمكن للقلم الأخضر أن يملأه.
فيالروعة وذكاء النص؛ حين تمكنت عزة عز الدين من أن تنقل القارئ من درس في اللغة العربية إلى درس في الحياة دون أن يشعر بالفاصل بينهما
. ثم تصل «الثرثرة» إلى علاماتها الكبرى: الفاصلة، والنقطة، وعلامة التعجب، وعلامة الاستفهام. تسأل عزة:
متى نضع فاصلة؟ —- ومتى نضع نقطة؟– وهل بعض المواقف تحتاج إلى علامة تعجب؟ أم أن الحياة نفسها أصبحت عادية إلى الحد الذي لا يستحق التعجب؟
أما علامة الاستفهام، منتحها الكاتبة شخصيةً إنسانية كاملة؛ علامة حائرة تنتظر إجابة قد لا تأتي، وربما تأتي متأخرة، وربما تكون الإجابة غير مقنعة، أو غير صادقة، أو تحتاج بدورها إلى سؤال جديد
بمهارة حولت الكاتبة علامات الترقيم إلى مرآة للعلاقات والمواقف والقرارات؛
فالفاصلة تشبه محطةً مؤقتة في حياة الإنسان، والنقطة تشبه قرارًا نهائيًا، وعلامة التعجب تختصر دهشة اللحظة، بينما يظل الاستفهام مفتوحًا على احتمالات لا تنتهي.
واللافت أن عزة تعدت بنصها الأدبى موقع المعلمة أو المنظّرة، لتتبوأ موقع عاشقةٍ للغة فهي تعترف بأنها تحاول إتقان استخدام العلامات حتى تحافظ على علاقتها باللغة التي تعشقها، لتؤكد أن سلامة الكتابة عند المبدع ليست مجرد قواعد، وإنما احترام للغة بوصفها بيتًا للروح والذاكرة.
وفي نهاية الرحلة، تعود عزة إلى حاضرها، فتجد أن هناك أشياء تغيرت:
تفاعلات فرضتها الحياة، ومنعطفات لم تكن في الحسبان، وشغفًا جديدًا بالقهوة والزهور البنفسجية، لكن ثمة شيئًا ظل كما هو:
ملامح الروح. وهذه هي الرسالة الأعمق في النص؛ فالإنسان قد يغيّر صفحاته، وصوره، وعناوينه، وعاداته، وقد تفرض عليه الحياة الكثير من التحولات، لكنه يظل محتفظًا بجوهره الأول . ” ثرثرة قلم أخضر” ليست مجرد استعادة لتغريدات من أعوام مضت لكنها استعادة لنسخة قديمة من الذات، ومحاولة لاكتشاف ما الذي تغيّر وما الذي ظل ثابتًا.
ولعل أجمل ما في تجربة عزة عز الدين أنها جعلت من أبسط التفاصيل اللغوية مادةً للحكي؛ فالقلم عندها لا يكتب فقط، بل يتذكر، وعلامة الترقيم لا تفصل بين جملة وأخرى فحسب، بل قد تفصل بين مرحلة وأخرى من العمر
. وفي النهاية، ربما كانت عزة محقة حين تركت عنوان ذاكرتها:
«ثرثرة قلم أخضر»؛ لأن بعض الأقلام لا تكتب لتقول شيئًا فقط، وإنما تثرثر بما تخبئه الروح، وتترك للقارئ مهمة اكتشاف الحكاية بين فاصلةٍ ونقطة، وبين سؤالٍ لم يجد إجابته بعد، وحكايةٍ ما زالت تكتب سطرًا جديدًا كلما فاجأتها الحياة.
** مدير التحرير “