* في رحلة امتدت بين الإعلام والأدب والشعر، يقف الإعلامي والشاعر محمد رمضان أمام تجربة ثرية، لم يفصل فيها يومًا بين الكلمة ومسؤوليتها، ولا بين الإبداع وقضايا الوطن.
فالشعر بالنسبة إليه ليس مجرد كتابة أو هواية، وإنما حالة وجدانية عميقة، يصفها ببساطة شديدة: «الشعر روحي ونفسي»، بينما يرى في الإعلام مساحة للعطاء، ونافذة يطل منها على المواهب والمبدعين، ويسعى من خلالها إلى دعم الثقافة الحقيقية بعيدًا عن الأوهام والمسابقات التي لا تضيف إلى المشهد الثقافي.
وفي هذا حواره مع مديرتحرير الشاهد المصري يتحدث رمضان عن علاقته بالشعر والإعلام، ودور المثقف في الدفاع عن الوطن، وأسباب غياب قضايا الوطن عن بعض الساحات الثقافية، كما يتوقف عند التعليم ودوره في صناعة الوعي، ويتحدث عن مصر باعتبارها أكثر من مجرد دولة.
** الشعر.. الروح والنفس
س: أستاذنا محمد رمضان، رحلة كبيرة من العطاء بين الإعلام والأدب والشعر.. أين يجد الإعلامي محمد رمضان نفسه؟ وهل محمد رمضان الإعلامي أقرب إلى الشعر أم إلى الإعلام؟
” الشعر روحي ونفسي، وهو الأقرب إلى روحي ونفسي. أما الإعلام فأجد فيه متعة وإحساسًا بالعطاء، الإنساني والمهني والنفسي، من خلال تقديم المواهب من الشعراء والأدباء والمفكرين، كبارًا وصغارًا، وكذلك المبدعين الشباب.
وأشعر بمسؤولية تجاه تنقية المشهد الإبداعي من بعض الممارسات التي تلاحق الأوهام والمسابقات الوهمية، وهي أمور في النهاية لا تؤدي إلى بناء ثقافة عربية حقيقية، أو ثقافة مصرية تؤكد حضورنا وهويتنا.
** الإعلام.. مسؤولية لا مجرد ظهور
س: كثيرًا ما نرى بعض الوجوه الإعلامية التي تتعرض لانتقادات حادة من المشاهدين والمتابعين، ومع ذلك تستمر في الظهور. هل ترى أن هذا يمثل تحديًا للمشاهد والمواطن المصري؟
” طبعًا. عندما تجد قنوات موجهة إلى مصر، مثل قناة «الحرة مصر» عندما أُنشئت، أو «الحرة العراق»، وكذلك قنوات مثل MBC مصر، أو MBC مصر 1 و2 و3، يطرح السؤال نفسه:
لماذا كل هذه القنوات والاتجاهات؟
ما الداعي إلى أن تنشئ قناة تحمل فكرًا واتجاهًا لدولة أخرى داخل مصر؟ هل أنت تعز هذه البلد أكثر من شعبها؟
أم أن لديك توجهًا تريد أن تسوّق له داخل المجتمع من خلال الإعلام، الذي يُعد من أكثر الوسائل تأثيرًا في المجتمع؟
وهنا نصل إلى قضية تراجع الحالة العربية أو تراجع الأنظمة العربية، وهل أصبح ذلك موروثًا أم نتيجة سياسات واتجاهات متراكمة؟
** قضايا الوطن.. مسؤولية الشاعر والمثقف
إذا كان الإعلامي والصحفي يقدم ما يُطرح عليه من إبداع، فإن الشاعر هو روح الإنسان ووجدانه. قضايا الوطن أصبحت هاجسًا وعبئًا على الإنسان.
س :هل يستطيع الشاعر أن يقوم بدوره في هذا المحيط المليء بقضايا الوطن؟ وإذا لم يقم الشعراء والأدباء بهذا الدور،
فمن الذي يحمل مسؤولية الدفاع عن الوطن وحمايته؟
” هنا لا بد أن نفصل ونفرّق بين الوطن المحيط بنا، والذي نمتلكه وعلينا أن نموت من أجله وأن تكون دماؤنا فداءً له، وبين الوطن الأكبر الذي لا بد أن يشاركنا فيه كل من حولنا من المثقفين والأدباء.
ولكن للأسف، أصبحت الساحة الثقافية مليئة بأجندات وتوجهات تقود الثقافة والأدب إلى ما هو أبعد من الوطن، وأصبح الوطن بالنسبة لبعضهم مجرد قضية هامشية أمام أجندات أخرى.
** غياب قضايا الوطن..
س: قضايا الوطن غابت عن كثير من منابر الفكر والثقافة. هل ترى أن هذا الغياب اضطراري، أم أنه غياب متعمد من البعض؟
” لا، الغياب متعمد من جهات واتجاهات، وقد يكون في بعض الأحيان اضطراريًا وانسياقيًا.
ولكن هل لدينا جيل يستطيع فعلًا أن يقوم بأعباء الوطن؟ هناك مثل يقول: «يا ضارب الجبل برأسك، أنت تضرب الجبل أم رأسك؟».
لكن مسؤوليتك في النهاية أن تطرح الفكرة، وأن تفضح ما يريد البعض تمريره في الخفاء، وأن تحمي هذا الوطن من أن يُساق إلى جهات غير معلومة، لمجرد تنفيذ أجندات خارجية أو دولية.
** ” أما محمد استغربت ” قصائد من الوجع العربي
س: ونحن اليوم في مناسبة مناقشة ديوانك «أما محمد استغربت»، هل جاءت قصائد الديوان نتيجة ومضات سريعة، أم أنها نتاج تراكمات وألم ووجع عربي؟
” هي تراكمات وألم ووجع عربي لم أستطع تحمله، فانفجرت في صورة شعر، وأصبحت القصيدة بالنسبة لي عبئًا عن القومية العربية وما أشعر به تجاه قضاياها.
** بين طموحات بعض الأنظمة وأجندات الآخر أجندات
س: هل يمكن أن نقول عما تشهده الساحة العربية أنه وليد طموحات سياسية أو مشروعات شخصية أم فرض أجندات واملاءات ؟
” لا توجد طموحات بالمعنى الذي نتمناه. وياريت كانت هناك طموحات؛ لأن وجود طموح حقيقي كان يمكن أن يكون أفضل، حتى لو كان هذا الطموح عكس طموحنا أو عكس احتياجاتنا.
لكن أصبحت هناك قوى تقود هذه المجتمعات في اتجاهات معينة، وهناك من ينفذون هذه التوجهات حفاظًا على العروبة أحيانًا، أو حفاظًا على الكراسي والمصالح، وليس بالضرورة حفاظًا على الوطن.
** التعليم.. البداية الحقيقية للإصلاح
س: ترى لو حاولنا أن نبدأ عملية صحوة وإصلاح حقيقية، كيف ترى دور وزارة مثل التربية والتعليم، باعتبارها مؤسسة تربوية، وهل دورها قاصر أو مقصرة؟
وإذا أردنا أن نتحدث عن أجندة الإصلاح ومحاولة إصلاح المجتمع، هل يمكن أن نبدأ من التعليم؟
” بالتأكيد، ولكن المسألة ليست سهلة. لقد مررنا بالكثير، وهذه الأرض تحمل الكثير، والبداية ستكون صعبة؛ لأن الانتقال من حالة إلى أخرى لا يمكن أن يتم بسهولة.
وأتمنى أن نتوقف، ولو قليلًا، عن الانحدار، وأن نبدأ في استعادة الوعي الحقيقي. وأعتقد أن مسار الانحدار الحضاري لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية.
** حماية الشباب من فقدان الانتماء
س: إذا توقفنا عن هذا الانحدار، هل يمكن أن يكون ذلك في حد ذاته نجاحًا؟ وكيف نستطيع أن نعيد للشباب ارتباطهم بالوطن؟
” نعم، بالتأكيد. لكن السؤال: كيف ننجح؟
لا أريد أن أقول للشباب وحدهم؛ فالشباب لم يرتكبوا كل هذا. وإنما أقول لأولياء الأمور وللشباب أنفسهم: اربطوا هذا الشباب بوطنه، وأعيدوه إلى تاريخه الحقيقي، وعلّموه أن الوطن والأرض شرف وعِرض.
لأننا أصبحنا نرى البعض يعتبر أن وطنه هو حسابه على «فيسبوك»، أو أن صفحته الشخصية هي وطنه، وهذا أمر خطير.
لابد أن يعيش الإنسان على هذه الأرض، وأن يحميها، وأن يعرف مدى قيمتها، ومدى قيمة مصر بالذات مصر ليست دولة.. مصر أمة
** ” مصر ليست مجرد دولة، مصر أمة.
س: مصر تحديدًا.. ماذا تمثل لك؟
وأنت أخذت السؤال من طرف لسانى، لأن مصر والمصريين حالة لا يستطيع أحد أن يصفها بكلمة واحدة. مصر قمة وحالة ومجتمع ووطن، ويكفيها أنها مصر.
شكرًا جزيلًا لك أستاذ محمد رمضان، وشكرًا لهذا الحوار الثري. وكل الأمنيات لكم بالتوفيق إن شاء الله.
فى نهاية الحوار لا يسعنى إلا ان أتقدم بكل الشكر على هذا الحوار المصرى الخالص لشخصية إعلامية لها قدرها ووزنها الإعلامى والأدبى ونتمنى لك أمسية ثقافية متميزة فى رحاب مناقشة ديوانكم
” أنا كمحمد استغربت ” على منصة السرد العربى بضيافة
رئيس الملتقى أ د حسام عقل ـ ورؤى نقدية برفقة أ د أحمد صلاح هاشم وإدارة متميزة للامين العام الأديبة عزة عز الدين