للمعتقدات قدسيتها، وللمقدسات حرمتها التي يجب أن تقف عندها كل الشعارات السياسية والدعوات الحقوقية. وما أعظم ديننا الحنيف الذي رسّخ قيم التسامح والإحسان، وجعل احترام الآخر أصلًا من أصول التعامل الإنساني، فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، ولا مكان فيه للعنصرية أو ازدراء الناس ومعتقداتهم.
ومن هذا المنطلق، فإن احترام مقدسات الآخرين يفرض معاملةً بالمثل؛
فإذا كنا نرفض أن يسيء مسلم إلى معتقدات غيره أو يسخر من مقدساتهم، فمن الواجب على الجميع أن يحترموا مقدسات المسلمين ورموزهم الدينية.
غير أن ما صدر مؤخرًا من إساءة متعمدة لمقدسات المسلمين، وتحديدًا للمكان الذي تهفو إليه قلوب أكثر من مليارَي مسلم، وللبقعة التي شهدت ميلاد الرسالة الإسلامية، يمثل تجاوزًا مرفوضًا بكل المقاييس الأخلاقية والدينية والإنسانية.
والأشد غرابة أن يصدر ذلك ممن يرفعون رايات الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان واحترام الأديان، بينما يمارسون نقيض ما ينادون به.
إن ما كُتب لا يمكن اعتباره مجرد رأي سياسي أو تعبيرًا عن حرية شخصية، بل هو إساءة صريحة للمشاعر الدينية واستفزاز متعمد لملايين المؤمنين. وهي كلمات لا تصدر إلا عن عقل فقد اتزانه، أو عن صاحب لم يعد يدرك خطورة ما يقول وما يتركه من آثار سلبية تتجاوز شخصه إلى شعبه ودولته.
ونحن ندرك أن بعض الناس إذا بلغوا أرذل العمر قد تصدر عنهم أقوال وتصرفات لا يميزون فيها بين الصواب والخطأ، لكن المؤسف أن يتحول هذا الخرف إلى مصدر لإشعال الكراهية وتأجيج مشاعر العداء بين الشعوب، وسط صمت يثير التساؤل:
أما في قومه رجل رشيد أو حزب رشيد يضع حدًا لمثل هذه التجاوزات؟
إن المسلمين يرفضون هذه الإساءات رفضًا قاطعًا، لكنهم في الوقت ذاته لا يهبطون إلى مستوى الإساءة بالإساءة، ولا يقابلون السفه بالسفه، فدينهم علمهم السمو والارتقاء في الخطاب والسلوك. غير أن هذا الرفض الشعبي والأخلاقي يجب أن يصاحبه موقف رسمي موحد يعبّر عن غضب الأمة تجاه كل تجاوز يمس عقيدتها ومقدساتها.
فأي ديمقراطية تُنتهك فيها كرامة الآخرين؟
وأي حرية تُبنى على السخرية من مقدسات الشعوب ومعتقداتها؟
ويبقى اليقين راسخًا بأن للمقدسات ربًا يحفظها، وأن الله سبحانه وتعالى القادر على نصرة دينه وحماية بيته، كما حمى مقدساته عبر التاريخ، قادر على أن يرد كيد المعتدين في نحورهم، وأن يجعل الإساءة وبالًا على أصحابها لا على من وُجهت إليهم.