في حوار إنساني ثري، فتحت الكاتبة والصحفية المصرية أبواب الذاكرة لتعود إلى طفولتها الأولى، وتتحدث عن علاقتها المبكرة بالحكايات والقراءة، وعن رحلتها مع الكتابة والصحافة، ورؤيتها للإبداع والتجديد ومراجعة الذات.
* حدثينا عن مرحلة الطفولة والنشأة الأولى ؟
ملهمة على ضفاف النيل
نشأت في إحدى قرى دلتا مصر القريبة من النيل، وكانت طفولتى ملهمة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فقد حظيت بوجود أفراد من العائلة يمتلكون موهبة الحكي، فتشبعت منذ الصغر بالحكايات الشعبية والفلكلورية المتنوعة، ومن بينها السيرة الهلالية، وحكايات تحمل أصداء عالم «ألف ليلة وليلة»، رغم أن رواة هذه الحكايات لم يكونوا من محترفي السرد.
*ما أثر هذه النشأة فيكم ؟
” هذه البيئة أسهمت في توسيع خيالى وربطها مبكرًا بفكرة الحكاية والحكي، حتى إننى حاولت تقليد هؤلاء الكبار عبر ابتكار حكايات شفاهية خاصة بها.”
* كيف كانت قراءتك الأولى وما تأثيرها على شخصيك
القراءة بوابة المعرفة والخيال
” مع بداية الدراسة، تحولت القراءة إلى شغف حقيقي. بدأت بقصص الأطفال ثم «روايات مصرية للجيب»، قبل أن تتوسع قراءاتى تدريجيًا.
كنت قارئة نهمة منذ الصغر، والقراءة أفادتنى دراسيًا وجعلتنى طالبة متفوقة، كما فتحت أمامى أبواب الخيال وممالك الأدب.
ولا أغفل دور مكتبات المدارس لعبت دورًا بالغ الأهمية في تكوينى الثقافي، لذلك ادعو دائمًا إلى إعادة إحياء مكتبات المدارس والاهتمام بها كما كانت في السابق، لأنها أتاحت لى فرصة التعرف على كبار الكتاب والمفكرين.
وهنا يجب أن أشير إلى دورالمعلمين كان لهم دور مؤثر في تشكيل وعي الثقافي، فقد كانوا يهدون الطلاب المتفوقين الكتب والروايات.
واذكر واحد من أساتذتى المعلمين الذي كان يهدي الطلاب روايات الأديب الكبير ونحن لا نزال في المرحلة الإعدادية.
مرحلة تالية فى قراءاتى وهى التحول من نجيب محفوظ إلى الأدب العالمي
ففي المرحلة الثانوية اتسعت دائرة قراءاتى، فتعرفت على عالم آخر ، وقرأت أعمال عالمية إلى جانب عدد كبير من المفكرين والكتاب المصريين.
كما اتجهت إلى الأدب المترجم، فقرأت فى الأدب الروسي، واطلعت على أعمال لكبار الأدباء العالميين.
* نافذة القراءة وأثرها وهل يكتفى المرء ببعض القراءات دون تجديد ؟
” القارئ الحقيقي لا يكتفي أبدًا بما يقرأه، فكل كتاب يفتح أبوابًا جديدة نحو كتب أخرى، وتتحول القراءة مع الوقت إلى أسلوب حياة وطريقة لفهم العالم والتحاور مع أفكار الآخرين.
* حدثينا من وجهة نظرك الكتابة.. حلم أم مصادفة؟
” وعن بدايات الكتابة، الإجابة ليست سهلة، لأن علاقتى بالكتابة تشكلت عبر سنوات طويلة.
في طفولتى حاولت كتابة روايات بوليسية قصيرة، ثم انتقلت في المرحلة الإعدادية إلى محاولات شعرية بسيطة. لكن البداية الحقيقية جاءت بعد انتهاء من الثانوية العامة،
عندما قرأت قصة قصيرة لكاتبة من شمال أفريقيا نشرت في مجلة عربية تصدر في لندن، فشعرت بأننى قادرة على كتابة نص أفضل.
“في تلك اللحظة قررت أن أحاول، ومنذ ذلك الوقت لم أتوقف عن الكتابة.”
بدأت أرسل قصصى إلى صفحات بريد القراء في بعض المجلات، ونُشرت لى قصة وكنت لا أزال صغيرة، لكن القراءة الواسعة جعلتنى أدرك الفارق بينى وبين الكتاب الكبار، وهو ما دفعنى إلى الاستمرار في التعلم والتطوير.
* يقولون قد تكون المصادفة صانعة للبداية — ما رأيك ؟
“خلال دراستى في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، كنت أكتب باستمرار لكنى نادرًا ما كنت أعرض كتاباتى على الآخرين.
وفي إحدى المصادفات المهمة، قام أحد زملائى بإرسال قصة لى إلى مسابقة على مستوى جامعة القاهرة دون علمى، وفوجئت بعد ذلك بإبلاغى بفوز القصة بالمركز الأول.
لاحقًا فازت القصة نفسها على مستوى الجامعات المصرية، وكان ضمن لجنة التحكيم صحفيون وكتاب قاموا بنشرها في عدد من الصحف، لتبدأ بذلك رحلة النشر الاحترافي وأنا لا أزال طالبة جامعية.
* العزلة والحياة.. معادلة الكاتب كيف ترين ذلك ؟
” أرى أن الكاتب يحتاج إلى قدر من العزلة، لكن ليس بمعنى الانفصال عن الحياة.
فالكتابة في رأيها ابنة الحياة أولًا، لذلك يجب على الكاتب أن يتعرف على الناس والشارع وتفاصيل الواقع، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى مساحة من التأمل والتفكر والرصد.
أعتبر أن المعادلة المثالية هي التوازن بين الانخراط في الحياة والابتعاد عن الانشغال المفرط بالأضواء وردود الأفعال، مع الحفاظ على حماس البدايات.
* هل ينتابك أحيانا شعوربالتوقف عن الكتابة ؟
” لم أتخذ يومًا قرارًا واعيًا بالتوقف عن الكتابة، لكن ظروف الحياة قد تفرض أحيانًا فترات من الانقطاع أو التباطؤ، خاصة في البدايات.
وأرى أن بعض الوقفات المؤقتة قد تكون ضرورية لإعادة ترتيب الأفكار ومراجعة المسار الإبداعي، وخير شاهد على كلامى تجربة نجيب محفوظ الذي توقف عن الكتابة عدة سنوات قبل أن يعود برؤية مختلفة. ومع ذلك،
أرفض فكرة وجود قواعد ثابتة تنطبق على جميع الكتاب، لأن لكل كاتب تجربته الخاصة.
* ما رأيك فى المقولة التى تقول : الكاتب أفضل ناقد لنفسه؟
” لابد من مراجعة الذات والأفكار والرؤية الإبداعية، أعتبرة أن الكاتب الجيد هو أفضل ناقد لنفسه. وأرى أن التطور الحقيقي يأتي من الجرأة على خوض مناطق جديدة وعدم الاكتفاء بتكرار ما نجح سابقًا، ومن وجهة نظرى فأنا أحب الكاتب الذي يخالف التوقعات ويكتشف أراضي جديدة في كل تجربة.
* ما أكثر ما تخشينه التكرار أم الفشل ؟
” كل ما أخشاه غياب التجديد. فمفهوم الفشل نسبي ومطاط، فهناك كتاب لم يحققوا نجاحًا في حياتهم ثم أصبحوا من عمالقة الأدب بعد رحيلهم، ولنا فى الأدب العالمى شواهد عدة
أعتقد أن الهاجس الحقيقي للكاتب ينبغي أن يكون تقديم الجديد باستمرار، لا الانشغال بمقاييس النجاح التقليدية.
* التسليم بالأخطاء جزء من التجربة الإنسانية- فما رأيك فى تلك المقولة ؟
” الخطأ جزء لا يتجزأ من التجربة الإنسانية، فالبشر جميعًا يخطئون، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في المكابرة ورفض مراجعة الذات.
مفهوم الخطأ ذاته يظل نسبيًا في كثير من الأحيان، لكن الاعتراف به ومراجعته يظل ضرورة للنمو والتطور.
* من الأمور التى تشق على الإنسان التصالح مع الذات كيف يكون ذلك ؟
” التصالح مع النفس،
الوصول إلى تصالح كامل مع الذات أمر بالغ الصعوبة، لأن الإنسان بطبيعته كائن معقد ومليء بالتناقضات.
فالتجارب كثيرًا ما تكشف للإنسان جوانب جديدة من نفسه لم يكن يعرفها من قبل، ولذلك يظل اكتشاف الذات عملية مستمرة لا تنتهي.
* لو قد لك أن تؤسسى متحفا للذكريات حقيقيا فماذا تضعين فيه ؟
” إنشاء متحف شخصي لحياتى، أنا لا أفضّل أن أضع متحفًا للأشياء بقدر ما أتمنى متحفًا للتفاصيل والذكريات واللحظات الإنسانية المهمة.
ولة تخيلت هذا المتحف في صورة تدوينات وكتابات تحتفظ فيها بأثر الأشخاص المقربين والأماكن التي أحبتها والبلدان التي زارتها.
* هل تملكين شغفا بالترحال والكتابة فى أدب الرحلات ؟
“أدب الرحلات وإلهام الأمكنة عندى شغف كبير بأدب الرحلات، فالأمكنة والجغرافيا عنصر أساسي في كتاباتى، سواء كانت أماكن حقيقية أو متخيلة.
وعن تجربتى فقد كتبت في أدب الرحلات ونلت عنه جوائز، فالمكان يظل مصدرًا دائمًا للإلهام في أعمالها.
* لماذا اخترت الصحافة وهل هى طريق إلى الأدب؟
” ورغم نجاحى الصحفي، أؤكد أن اختيارى دراسة الصحافة كان نابعًا من حبى للأدب.
فقد درست الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة على يد أساتذة كبار، لكننى كنت أرى في الصحافة الثقافية الطريق الأقرب إلى الكتابة الأدبية.
وبالحديث عن دراستى فقد كنت متفوقة علميًا وكان من الممكن أن ألتحق بكلية الهندسة، لكننى فضلت تحويل أوراقى إلى كلية الإعلام من أجل الاقتراب من عالم الأدب.
* هل تتمنين أو تحلمين بالتفرغ للكتابة؟
” إن رغبتى في التفرغ للأدب لا تعني التخلي عن الصحافة، وإنما التحرر من القيود الوظيفية التي تستهلك الوقت والطاقة.
فعندما حصلت على إجازة بدون مرتب من عملها الصحفي بين عامي 2011 و2014، وهي الفترة التي وصفتها بأنها كانت من أكثر مراحل حياتها خصوبة وإنتاجًا على المستوى الإبداعي.
* فى نهاية حوارنا رسالة تحبين تقديمها إلى الكُتّاب الشباب – فماذا تقولين ؟
” رسالتى إلى الموهوبين والكتّاب الشباب، أقول لهم :
الكتابة مهنة شاقة ومتطالباتها، تحتاج إلى التفرغ النفسي والالتزام اليومي بالقراءة والكتابة.
ويجب على الكاتب ألا يستسلم للإحباط، وأن يكتب بإخلاص ومن دون انتظار مقابل أو اعتراف فوري من الآخرين.
إن سر النجاح الحقيقي يكمن في الإخلاص للكتابة نفسها، والاستمتاع بها، لأن هذا الإخلاص هو الذي يقود في النهاية إلى التطور والتوفيق.
** فى نهاية حوارى معكم لا يسعنى إلا أن أتقدم بخالص الشكر على هذه الجلسة وهذا الحوار الممتع على أمل أن نعاود اللقاء والحوار معكم فى مناسبة أخرى