نلمس الآن تلك الحالة من التراجع والانحسار لدور المؤسسى حتى بتنا في زمنٍ تتراجع فيه الأدوار الثقافية الرسمية، وتغيب فيه المؤسسات الحكومية عن أداء رسالتها الحقيقية في اكتشاف القامات الفكرية العربية والاحتفاء بها،
هنا يجىء وبقوة دور الكيانات الثقافية المستقلة بوصفه محاولة جادة لإنقاذ ما تبقى من الوعي العربي.
وفى مقدمة تلك الكيانات يأتى ملتقى السرد العربي الذى يطلُّ علينا باعتباره نموذجًا ثقافيًا تجاوز حدود النشاط التقليدي، حتى أصبح وبحق كأنه يسدُّ مسدَّ وزارة الثقافة ذاتها
لقد نجح الملتقى في أن يفتح أبوابه للأسماء العربية الكبيرة، وأن يمنحها التقدير الذي تستحقه، بعيدًا عن الجمود والاحتفاء الشكلي والشكل الوظيفى التقليدى
فقلد مثل احتفاؤه بالدكتورة والباحثة العراقية سناء البياتي حدثًا ثقافيًا بالغ الدلالة؛ تلك القامة العلمية والتى لا تعد مجرد أكاديمية عابرة، إنما مشروع معرفي متكامل في الدراسات اللغوية والبلاغية والنحوية والتى كتبت كتابها الرائع المتفرد ” نظرية الصفر اللغوى للنحو الكلى “
وأيضا كتاب «الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم» قدّمت من خلال مؤلفها رؤية علمية عميقة تكشف أبعاد البيان القرآني، وتعيد قراءة النص القرآني بمنهج لغوي حديث يجمع بين أصالة التراث ودقة التحليل العلمي.
كما أن طرحها لما عُرف بـ«نظرية الصفر» فتح بابًا واسعًا للنقاش الفكري والبحث اللغوي، وهو ما يؤكد أننا أمام عقل عربي يستحق أن يُحتفى به في المؤتمرات والجامعات والمنابر الثقافية الكبرى.
ومن المفارقة المؤلمة لكنها مبشرة فى نفس الوقت أن هذا الاحتفاء الراقي جاء من ملتقى ثقافي مستقل، بينما غابت وزارتا الثقافة والإعلام بمؤسساتيهما تمامًا، لم يكن الغياب فقط عن تنظيم تكريم يليق بهذه القامة العراقية، إنما حتى عن مجرد الحضور أو الزيارة أو إصدار موقف ثقافي يعكس قيمة الضيفة ومكانتها العلمية.
وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة:
ما دور وزارتى الثقافة والإعلام إذا كانت المؤسسات الأهلية والمبادرات المستقلة أصبحت هي التي تقوم بمهامها كاملة؟
وما معنى أن يتحمل المثقفون وحدهم مسؤولية التواصل الحضاري العربي، بينما تتراجع الجهات الرسمية إلى مقاعد المتفرجين؟
وهنا لابد من التأكيد على أن ما قام به ملتقى السرد العربي لا يمثل نشاطًا عابرًا، إنما هو رسالة واضحة تؤكد أن الثقافة الحقيقية لا تنتظر الضوء الأخضر من أحد، وأن المثقف العربي ما زال قادرًا على صنع الفعل الحضاري بنفسه، حتى في ظل غياب الدعم الرسمي
هذا ما نذر مؤسس الملتقى أ د حسام عقل نفسه إليه فآمن به وخصص من وقته وجهده وعلمه لتظل الكرة قائمة والحلم باق ولصدق نواياه وسمو هدفه قيد الله له من محبى الثقافة المخلصين من ألتفوا حول فكرته وهدفه
لقد أثبت ويثبت الملتقى كل يوم أن الثقافة ليست كما يعتقد البعض أنها لافتات معلقة و احتفالات بروتوكولية، بل هي احتفاء حقيقي بالعقل العربي، وتقدير للعلم والمعرفة، ومدٌّ لجسور التواصل بين المبدعين العرب.
وفي المقابل، بدا الصمت الرسمي وكأنه اعتراف ضمني بانفصال بعض المؤسسات الثقافية عن نبض المثقف العربي الحقيقي
لقد جاء احتفاء و تكريم الدكتورة سناء البياتي ليؤكد أنه لم يكن مجرد احتفاء بشخص، بل احتفاء باللغة العربية ذاتها، وبالبلاغة، وبالاجتهاد العلمي، وبالعقل الذي لا يزال يحاول الدفاع عن هوية الأمة في زمن التراجع والاضطراب.
ويبقى السؤال المؤلم:
إذا كان ملتقى ثقافي مستقل قادرًا على أداء هذا الدور الحضاري الكبير، فأين دور وزارتى الثقافة والإعلام ؟
فيا ترى هل أصبحت المبادرات الفردية والأهلية أكثر وعيًا بقيمة الثقافة العربية من المؤسسات الرسمية نفسها؟