عبر سجل الشعر العربي، كانت العيون أرحب وأوسع باب للشعراء ولم يعثروا على لغة أبلغ من النظرات.
فالعيون في المخيلة العربية نعدت كونها مجرد عضو للإبصار، فصارت رسول الحب، وسفير الشوق، وسلاح الجمال الذي لا يخطئ هدفه.
ولعل سر افتتان الشعراء بالعيون يرجع إلى قدرتها الفريدة على التعبير عما تعجز عنه الكلمات؛
فهي قادرة على أن تبوح بالحب والحنين والعتاب والخوف والفرح في لحظة صامتة، حتى قيل إن العين تتحدث بلغة لا تحتاج إلى ترجمان.
وقد احتلت العيون مكانة بارزة في الشعر العربي عبر مختلف العصور، حتى أصبحت واحدة من أكثر مفردات الغزل حضورًا في دواوين الشعراء. ومن أشهر ما قيل في سحر العيون .
بيت الشاعر جرير الذي صوّر نظرات المرأة وكأنها قوة قادرة على قتل العاشقين دون سيف أو رمح :
* إن العيون التي في طرفها حـــورٌ قتلننا ثم لــــم يحيين قتـــلانا
* يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله أركانا
وقد جعل جرير من العيون قوة تتجاوز قوة الفرسان والأبطال، فالنظرة عنده تهزم العقل وتسلب الإرادة.
أما الشاعر علي بن الجهم فقد وجد في عيون المها رمزًا للجمال الآسر، فقال:
*عيونُ المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
فلم تكن العيون هنا مجرد وصف جمالي، بل سببًا مباشرًا لولادة الحب وتجدد الشوق في القلب
. وفي العصر الحديث، وقف إيليا أبو ماضي مأخوذًا بسحر العيون السود، حتى تمنى لو كانت القلوب من حديد حتى تنجو من سهامها، فقال :
* ليت الذي خلق العيون السودا خلق القلوب الخافقات حديدا
* عوذ فؤادك من نبال لحاظها أو مت كما شاء الغرام شهيدا
فالعين عند أبي ماضي تتحول إلى قوس تطلق سهامها نحو القلوب، فلا ينجو منها عاشق.
ولم يقتصر وصف الشعراء على جمال العيون، بل تجاوز ذلك إلى اعتبارها لغة مستقلة. فقد رأى كثير من الشعراء أن النظرات أصدق من الكلمات، وأن العيون تكشف ما تخفيه الصدور.
ومن أجمل ما قيل في هذا المعنى:
* وإذا التقينا والعيون روامقٌ صمت اللسان وطرفها يتكلم
ففي لحظة صمت واحدة تستطيع العيون أن تنقل مشاعر لا تستطيع صفحات كاملة أن تعبر عنها.
لقد شبّه الشعراء العيون بالسيوف تارة، وبالنبال تارة أخرى،