كان للشاهد المصرى ومدير التحرير هذا اللقاء الحوارى مع د . ” أسامة الشاذلي ”
بدأ حياته طبيبا متألقا ، نال زمالة كسور العظام من ألمانيا ، و باشر التدريس ، في جامعتي عين شمس و برشلونة ،
بداية /
– معالي الدكتور أسامة، أنتم من الأصوات التي جمعت بين قمتين؛ قمة الطب وقمة الأدب الروائي. هل وجدتم صعوبة في الجمع بين هذين المجالين؟ ج: في الحقيقة لا توجد صعوبة.
أعتقد أن هذا كان هو الأصل قديمًا، حيث كان الإنسان يجمع بين أكثر من اهتمام. فنجد ابن سينا جمع بين الطب والفلسفة والدين والتشريح، وكذلك أبو بكر الرازي وغيرهما من العلماء الذين لم يقتصروا على تخصص واحد. التخصص أفاد البشرية بلا شك، لأنه جعل الإنسان أكثر دقة فيما يقدمه من مهنة أو حرفة، لكن لا يمكن أن يظل الإنسان محصورًا في حرفة واحدة فقط. عمق الإنسان لا يتحقق إلا بوجود اهتمامات أخرى خارج نطاق تخصصه،
وهذا الأمر شائع جدًا في مجال الطب؛ لأن الطبيب يتعامل مع الإنسان بكل أبعاده النفسية والاجتماعية والإنسانية. ولذلك ارتبطت كلمة “الحكيم” بالطبيب منذ القدم وحتى يومنا هذا، وما زلنا في الريف المصري وبعض البلدان العربية نطلق على الطبيب لقب “الحكيم”.
ومن هنا أرى أن الثقافة والاطلاع والقراءة جزء من تكوين الطبيب الناجح، وإذا امتلك موهبة الكتابة فمن الطبيعي أن تتحول إلى ممارسة احترافية.
-كيف تصفون العلاقة بين العلم والإيمان؟
* العلاقة بين العلم والإيمان علاقة وثيقة جدًا، فكلاهما يقود إلى الآخر. لا يوجد مؤمن حقيقي لا يبحث عن الحقيقة أو لا يمتلك شغفًا بالمعرفة. وهذه سمة اتصف بها الأنبياء أنفسهم. فعندما يقول سيدنا إبراهيم عليه السلام:
«رب أرني كيف تحيي الموتى»،
فإنه يسأل عن الكيفية، والعلم في جوهره هو البحث عن الكيفية: كيف تحدث الأشياء؟ وكيف تعمل؟
وأرى أن العلم يقود إلى الإيمان إلا إذا جحد الإنسان الحقيقة. لذلك أقول دائمًا إن العلم هو نبي هذا الزمان الذي انقطع فيه الوحي. فالقرآن الكريم يقول: «سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق»،
والعلم هو أحد أهم الطرق التي توصل الإنسان إلى معرفة الخالق.
– هناك من يرى أن التقدم العلمي يؤدي بالضرورة إلى تراجع الإيمان، ما تعليقكم؟
* هذا الاعتقاد ناتج عن الخلط بين الدين وبعض الموروثات البشرية. فالعلم لا يتعارض مع الإيمان، لكنه قد يتعارض مع بعض التفسيرات والاجتهادات القديمة. كثير من الموروثات نشأت في عصور كانت المعرفة فيها محدودة، فاجتهد أصحابها وفق معطيات زمنهم.
وعندما يأتي العلم بنتائج جديدة يظن البعض أنه يناقض الدين، بينما هو في الحقيقة يناقض فهمًا بشريًا قديمًا للدين. ولهذا أكد عدد من رموز التنوير والإصلاح، مثل الإمام محمد عبده والشيخ محمد الغزالي والشيخ محمد رشيد رضا، أنه لا يوجد في الدين الصحيح ما يعارض العقل السليم.
– من أبرز القضايا التي تشغل العالم اليوم الذكاء الاصطناعي. هل نحن أمام ثورة معرفية أم تحدٍ أخلاقي؟
* نحن بلا شك أمام ثورة معرفية جديدة. فالتاريخ الإنساني شهد ثورات معرفية متعاقبة، بدءًا من اكتشاف النار، مرورًا بالبخار، ثم الكمبيوتر والإنترنت، وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي. لكن في كل هذه المراحل لم تستطع الآلة أن تحل محل الإنسان؛ لأن الفارق الجوهري بينهما هو الروح، والروح سر من أسرار الله سبحانه وتعالى.
لذلك أرى أن الذكاء الاصطناعي أداة تساعد الإنسان وتخدمه، وليس بديلًا عنه. غير أن المشكلة التي تصاحب كل ثورة معرفية هي زيادة المعرفة من جهة، وظهور حالة من السيولة الفكرية وعدم اليقين من جهة أخرى. في الماضي كنا نحصل على المعلومات من مصادر محدودة،
أما اليوم فالمصادر لا حصر لها، لكن القدرة على التحقق أصبحت أكثر صعوبة. ولهذا أطلقت على هذه الحالة مصطلح “السيولة المعرفية”، حيث يجد الإنسان نفسه أمام الخبر ونقيضه في الوقت ذاته.
– وهل يمكن اعتبار الذكاء الاصطناعي أحد أسباب هذه السيولة المعرفية؟
* بالتأكيد. فالذكاء الاصطناعي جعل من السهل إنتاج صور ومقاطع فيديو ومحتويات يصعب أحيانًا التمييز بينها وبين الحقيقة. كان من المفترض أن تؤدي وفرة المعرفة إلى زيادة اليقين، لكن ما حدث أحيانًا هو العكس، إذ أدت كثرة المصادر وتضاربها إلى خلخلة بعض الثوابت وإرباك المتلقي.
– ما الدور المطلوب من المؤسسات التعليمية والحكومات في مواجهة هذه التحديات؟
” دور المؤسسات محوري وأساسي. فكلما زادت حالة السيولة احتاج المجتمع إلى نظم واضحة وإلى مؤسسات قوية. لكن المطلوب اليوم ليس مصادرة الأفكار أو تقييدها، بل تنمية الفكر النقدي لدى الأفراد، وتعزيز قدرتهم على التمييز بين الصحيح والخاطئ، والتحقق من المعلومات. لن يفيدنا حجب الآراء أو محاصرة التفكير، وإنما يفيدنا بناء عقل قادر على التحليل والفرز والنقد، لأن هذا هو السلاح الحقيقي في مواجهة تحديات المستقبل.
– هل تقدم رواية يأجوج ومأجوج طرحا يمكن أن نطلق عليه طرحا جديدا ؟
* ” بالفعل قد تتنافى بعض الموروثات مع العلم وفى بعض الأحيان يتعارض بعض ما كتب منها مع ما يتم اكتشافه
ومن هنا لابد من إعادة النظر فى بعض المعطيات وبالذات فيما يتعلق بالمغيبات فهى نوعان :
– ما اختص الله به ذاته وهذا ثابت ونؤمن بأنه وحده تعالى الذى يعلمه ، و المغيبات التى اجتهد فى تفسيرها السابقون
– وهنا نقول لابد من إفساح المجال للرأى والرأى الآخر ولكن بمنهجية فاجتهاد القديم – اعتمد على الآراء
– أما اجتهاد عصرنا فيعتمد على المنهجية فالاسلام يدعو دائما إلى التفكر والتأمل والبحث ومن هنا كان تفسيرى لقصة يأجوج ومأجوج
فى نهاية حوارنا نتقدم بخالص الشكر والتقدير للاستاذنا الدكتور أسامة الشاذلى على افساح هذا الوقت لاجراء حوارنا معه