عندما يتطابق الإحساس بالأشياء مع واقعها الفعلي يصبح ذلك الإحساس حقيقة لا يمكن إنكارها، لأن إنكار الإحساس المطابق للواقع أشبه بإنكار الواقع نفسه. ويتضح ذلك فيما قدمه الخليل بن أحمد الفراهيدي، صاحب الإحساس المرهف الدقيق،
فيما يتعلق بصفات الأصوات ومواقعها في المدرج الصوتي عند الإنسان.
فهو حين وضع تصوره لتلك الأصوات لم يستعن بالأجهزة الصوتية المتوفرة في عصرنا الحديث، بل اعتمد على حسّ لغوي وعلمي بالغ الدقة، قائم على التأمل العميق والاستقراء والملاحظة الدقيقة. ولما توفرت الأجهزة الحديثة بعد قرون، أثبتت أن نسبة كبيرة مما توصّل إليه الخليل فيما يتعلق بصفات الأصوات ومواقعها كان صحيحًا وموافقًا للواقع الفعلي.
ولم يكن الخليل حالة منفردة في تاريخ العلم؛ فقد توصّل بعض العلماء إلى إدراك أنظمة خفية تحكم الظواهر قبل اكتمال وسائل إثباتها، كما فعل الكيميائي الروسي ديميتري مندليف حين وضع تصورًا للجدول الدوري وتوقع وجود عناصر لم تكن مكتشفة بعد، ثم أثبت الواقع العلمي صحة كثير من توقعاته. إن هذين النموذجين ونماذج أخرى لا يتسع المجال لذكرها تدل على أن بعض الحقائق لا يبدأ ظهورها دائمًا من المختبرات والأجهزة، بل قد تبدأ بإحساس علمي منظم يلتقط النظام الكامن في الأشياء قبل أن يخصع للوسائل التقنية القادرة على إثباته فقط وليس على كشفه.
فالعقل البشري يمتلك قدرة على إدراك العلاقات والأنماط عبر التأمل الطويل والاستقراء الدقيق، ثم تأتي الأدوات العلمية لاحقًا لتؤكد ما تم إدراكه. ولهذا فإن الإحساس العلمي ليس مجرد شعور نفسي أو تصور عابر، بل قد يكون إدراكا نافذا يصل الى معرفة حقيقية علمية، وتبقى قيمة هذا الإحساس مرتبطة بقدرته على تفسير الوقائع تفسيرًا منسجمًا ومتكررًا، وبذلك لا يوصف بكونه انطباعًا ذاتيًا.
ما أريد أن أقوله:
إن إنكار الإحساس المطابق للواقع لا يختلف كثيرًا عن إنكار الواقع نفسه، ما دام ذلك الإحساس قد أثبت قدرته على تفسير الظواهر تفسيرًا متماسكًا ومنظمًا. وينسحب هذا الأمر على حديثي عن إحساسي بنظام آليّة عمل الدماغ البشري لإنتاج اللغة، الذي حددتُ مراحله وتفاصيله في (نظرية الصفر اللغوي).
فتوصلت إلى إن الفكرة المراد التعبير عنها باللغة تمر بثلاث مراحل ويعمل الدماغ على تحديدها من الكل إلى الجزء
المرحلة الأولى:
تحديد المعنى العام للفكرة فيما إذا كانت استفهامية أو منفية أو غير ذلك فتتحدد الأداة المناسبة للفكرة، أما إذا كانت الفكرة إخبارية مثبتة فلا أداة لها، وانعدام الأداة هو تحديد لنوعها مقابل الفكرة التي يتحدد نوعها بالأداة.
المرحلة الثانية :
الربط بين مدلولات أجزاء الفكرة أي الربط بين الصور الذهنية والمفاهيم التي تشتمل عليها الفكرة ، وليس ثمة أكثر من أربعة روابط رئيسة تربط المدلولات مع بعضها، وتعمل بنظام هرمي رأسه الإسناد الذي تتعلق به الروابط الأخرى وهي : التخصيص ، والإضافة ، والتوضيح. وفي الكتاب شرح مفصل لهذه الروابط مع الرسم التوضيحي.
المرحلة الثالثة:
اختيار الدوال المناسبة لمدلولاتها من المعجم الذهني، وبذلك يتم تحويل الفكرة الى جملة ويتم إنتاجها وهي متربطة الأجزاء ارتباطا لا يقبل الانفصام.
إن هذا النظام غير المنظور القابع في أدمغة البشر لا يمكن التوصل إليه من خلال التقنيات الحديثة التي لا تُظهر للناظر في جهاز العرض سوى وصلات كهربية تتنقل من مكان إلى آخر، ولا يمكن تفسيرها من قبل عالم اللسانيات العصبية أو عالم اللسانيات الإدراكية لأنها تفاصيل نحوية لا يتمكن منها سوى عالم باللغة وبخاصة علم النحو حيث يوظف هذا العالم إحساسه مع عمق معارفه ودراساته في جميع فروع اللسانيات من أجل الوصول إلى هذا النظام،
ولا يمكن التشكيك بهذا النظام بحجة عدم إخضاعه للتقنيات الحديثة، ما دام واقع اللغات وقواعدها الفعلية قد انسجم معه من خلال التطبيقات المتنوعة التي أجريتها على عدة لغات في كتابي: (نظرية الصفر اللغوي للنحو الكلّي وتطبيقاتها في العربية).
فالقيمة العلمية لأي تصور لا تتحدد فقط بوجود أجهزة تثبته لحظة ظهوره، بل تتحدد أيضًا بقدرته على تفسير الوقائع المختلفة ضمن نظام واحد متماسك، وبنجاح تطبيقاته على أمثلة متعددة ومتنوعة.
لذلك فإن الإحساس المنظم القائم على التأمل والدراسة والاستقراء، إذا انسجم مع الواقع اللغوي وأثبت كفاءته التفسيرية، يصبح جديرًا بالنظر العلمي الجاد. ولما كان خلق الله قائما على أنظمة دقيقة فلابد للغة من نظام يضبطها في أدمغة البشر،
وفيما يأتي أعرض نموذجًا لنظام آليّة عمل الدماغ البشري لإنتاج اللغة، وهو ما أطلقت عليه نموذج الصفر اللغوي وإذا كان هناك نموذج آخر لنظام أفضل منه فليُعرض أيضًا من أجل الوصول إلى الحقيقة العلمية، لأن العلم لا ينهض إلا بالحوار والمقارنة والاختبار.