هشام صلاح – يكتب
في مقاله اللافت، يضع د محمد سعد واحد من قيادات وكوادر التعليم المصرى يده على قضية إدارية جديرة بالاهتمام تستحق التوقف، قضية تعدت كونها حديثا عن حركة تنقلات للقيادات أو مديري المدارس، إلى ما هو أهم ألا وهو فلسفة الإدارة نفسها والسؤال :
هل تغيير المدير يعني بالضرورة تغييرًا في المدرسة؟
انطلق المقال من فكرة تحمل فى طياتها كثيرًا من الدلالات؛
فيؤكد على أن التدوير الإداري إذا كان هدفه تجديد الدماء، وكسر حالة الجمود، واكتشاف مواطن الخلل، فينبغى أن يبتعد عن كونه مجرد نقل مدير من مدرسة إلى أخرى، ومدير آخر إلى موقعه. هنا تحديدًا نجد المفارقة التي يطرحها د محمد سعد بوضوح:
هل نحن أمام تدوير حقيقي أم مجرد تبديل للكراسي؟
قول : يجب أن نسلم أن مغادرة مدرسته إلى أخرى لا يحمل معه عصاه الإدارية السحرية ، كما أن الأخرى التي يستقبل فيها كمدير جديد لا تبدأ من الصفر. فهناك ملفات، ومشكلات، ونقاط قوة وضعف، وأداء للعاملين، ونتائج تحتاج إلى قراءة قبل أن يصدر الحكم على نجاح التجربة أو إخفاقها.
ومن هنا فإن جوهر التدوير يتعدى هذا الطرح
«من ذهب إلى أين؟»، إلى ما هو أهم :
«ماذا تغير بعد أن ذهب؟
يجب أن نرسخ بداية أن الإدارة الحديثة تقيس نجاح القرار بما أحدثه القرار من أثر في الأداء لا بحركة الأشخاص،
لذا فنحن أمام عدد من التساؤلات /
إذا كان مدير مدرسة قد حقق نجاحًا واضحًا، فما الذي دفعنا إلى نقله؟
وإذا كان هناك قصور، فأين كانت مواطنه؟
وهل جرى تحديد المسؤولية بوضوح؟
وهل انتقل المدير لأنه أخفق، أم لأن السياسة الإدارية تقتضي التدوير؟
وإذا انتقل، كيف سنعرف أن الانتقال حقق الغرض المطلوب؟
والأمر يمتد إلى المدرسة باعتبارها منظومة متكاملة.
التدوير الحقيقي يحتاج إلى تقييم قبل الانتقال، وتسليم وتسلم واضح وموثق، وبيانات عن أداء المدرسة، ثم متابعة لاحقة تقيس ما إذا كان التغيير قد أحدث فارقًا أم لا. أما أن يتبادل مدير ومدير مدرسة كل منهما مكان الآخر، ثم نعتبر أن المشكلة قد حُلت، فهنا يصبح التغيير أقرب إلى إعادة توزيع للمواقع منه إلى إصلاح إداري حقيقي. ولعل أخطر ما يلفت إليه المقال
” أن التبديل، إذا لم تصاحبه آليات رقابة وتقييم، قد يؤدي ــ ولو من دون قصد ــ إلى إخفاء المشكلات بدلًا من كشفها
فتبديل مدير مدرسة مكان أخر وإحلال الآخر محله يستدبعه أن يتغاضى كل منهما عن تجاوزات وفساد كل منهما
. وهنا يجب أن نكون أكثر دقة:
حديث ليس تشكيكًا ما هو إلا نقاش حول آلية إدارية ينبغي أن تحقق هدفها المعلن.
فالإصلاح الحقيقى يتخطى حركة الأشخاص إلى تشخيص المشكلة.
والقرار الإداري الناجح يتعدى تغيير الأسماء، إلى تغيير النتائج.
لذلك ربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن يصاحب أي حركة تدوير هو: هل تغيرت المدرسة بعد تغيير المدير؟
إذا كانت الإجابة نعم،
فنحن أمام تدوير حقق غايته. أما إذا بقيت المشكلات كما هي، وتغير فقط اسم المدير ومكان مكتبه، فعلينا أن نسأل بصدق:
هل قمنا بالتدوير فعلًا، أم اكتفينا بتبديل الكراسي؟
ختاما :
إن قيمة ما طرحه د محمد سعد أنه نقل النقاش من أسماء الحركة ومواقعها إلى نتائجها وآثارها. وهذا هو جوهر الإدارة الرشيدة:
العبرة ليست بعدد الكراسي التي تحركت، إنما بعدد المشكلات التي حُلّت. فالمكان تتغير في ساعة أما تغيير الواقع يحتاج إلى قرار واعٍ، وتقييم دقيق، ومحاسبة عادلة، ومتابعة مستمرة
. التدوير الحقيقي ليس أن يتغير المدير من مدرسة إلى أخرى، بل أن تتغير المدرسة إلى الأفضل