تهل علينا كل عام ذكرى المولد النبوي الشريف، تلك الذكرى التى تعدت كونها استعادة من الأمة لذكرى مولد المصطفى محمد ﷺ فحسب، إلى أن تصبح واحدًا من أخصب أبواب الشعر العربي: المديح النبوي.
فلقد وقف الشعراء عبر أزمان مختلفة وأجيال متعاقبة أمام المقام النبوي وكل شاعر يحمل معه أدوات عصره، وثقافته، ووجدانه، وتجربته الخاصة
ومع حلول تلك الذكرى العطرى وجدت أطالع قصائد ثلاثة من شعراء مصر
بعدها وجدتنى أجرى مقارنة بين تلك الأصوات الشعرية والتى تنتمي إلى أزمنة وتجارب مختلفة سنبحر مع رحلة شوقي في جلال الميلاد.. هاشم الرفاعي في نور الذكرى.. وثروت سليم في صدق الابتهال :
أمير الشعراء شوقي في ” وُلِدَ الهدى “
والشاعر هاشم الرفاعي في قصائده التي تناولت المولد النبوي،
والشاعر ثروت سليم في قصيدته ” مدحتُ طه “
نعم هم ثلاثة شعراء، وثلاثة أزمنة، وثلاثة مداخل إلى المعنى نفسه:
فهذه محبة رسول الله ﷺ فى ” وُلِدَ الهدى ”
** فى البداية نجد شوقي يجعل الميلاد فجرًا للكون فهو لم يتعامل مع مولد النبي ﷺ بوصفه مناسبة تاريخية بل جعله حدثًا كونيًا تتجاوز آثاره حدود المكان والزمان
فنراه يفتح قصيدته بهذا المطلع الذي أصبح من أشهر مطالع الشعر العربي في المديح النبوي:
فما أروعه حينما نقل الحدث من دائرة الميلاد إلى دائرة الرسالة والنور والهداية. وزادت روعته حيث جعل الطبيعة نفسها طرفًا في الاحتفال:
الروحُ والملأُ الملائكُ حولهُ للدينِ والدنيا به بُشراءُ
فالمولد في رؤية شوقي بشارة للدين والدنيا. وهنا تكمن قوة الصورة الشوقية: الميلاد يتحول إلى مشهد كوني، والكون نفسه يصبح شاعرًا يحتفي بالرسول ﷺ.
** أما هاشم الرفاعي.. فالمولد عنده نورٌ يشق ظلمات التاريخ فنرانا لا نغادر فكرة النور، لكننا نقترب أكثر من الوجدان والتاريخ والسيرة. في قصيدته «الذكرى العطرة» يقول:
حتى أضاءت بمولودٍ لآمنةٍ أرجاءَ مكةَ وانجابت دياجيها
وهنا نجد تقاطعًا بديعًا مع شوقي. شوقي يقول: وُلِدَ الهدى فالكائناتُ ضياءُ
والرفاعي يقول: حتى أضاءت بمولودٍ لآمنةٍ أرجاء مكة
فكلاهما يرى في المولد نورًا. لكن الفرق في زاوية التصوير واضح.
* عند شوقي، الضياء كوني؛ فالكائنات كلها تدخل في المشهد.
* عند الرفاعي، فالضياء يبدأ من مكة، من المكان الذي شهد الميلاد،
ثم تنجلي الظلمات. إنه نور يتحرك من المكان إلى التاريخ، ومن التاريخ إلى الوجدان.
لكننا نلحظ أن الرفاعي أقل احتفالية من شوقي، وأكثر التصاقًا بالحالة الروحية.
فهو تعدى جعل العالم يفرح بميلاد النبي ﷺ، ليجعل القارئ يشعر بذلك النور. من «الضياء» إلى ” الأنوار” وهنا تأتي المفارقة الأجمل
** حين نصل إلى ثروت سليم. فإذا كان شوقي قد جعل الكون ضياءً، والرفاعي جعل مكة تستضيء،
ثلاثة مشاهد: شوقي: الكائنات ضياء. الرفاعي: أرجاء مكة تضيء. ثروت سليم: القلب يتجلل بالأنوار.
وهنا تنتقل صورة المولد من الخارج إلى الداخل. فالمولد عند شوقي مشهد كوني، وعند الرفاعي مشهد تاريخي روحي، وعند ثروت سليم تجربة شخصية يعيشها الشاعر في قلبه.
وهذا الانتقال من «الكون» إلى «المكان» إلى «القلب» يمنح المقارنة جمالًا خاصًا.
ثروت سليم.. لا يكتفي بالمدح، إنما صرح بحقيقة شعوره:
شُغِفتُ بالحبِّ لا زيفًا ولا كذبًا ولستُ بالنادمِ المغرورِ والحَارِ
فالشاعر يعلن صدق محبته، وينفي عنها الزيف والادعاء. وهذه النقطة تمنح قصيدته خصوصيتها.
شاعرنا لا يقف خارج التجربة ليصفها، لكن روعته جاءت من دخوله إليها مباشرة فيقول: أنا المحب.
وهنا يختلف عن شوقي في بناء المشهد؛ فشوقي شاعر كبير يقود قصيدته ويصوغ احتفالًا شعريًا واسعًا،
بينما ثروت سليم يضع ذاته في قلب التجربة.
” إني أتيتك يا مختار مبتهلًا ” من المديح إلى المناجاة
وجاءت أعلى درجة الخصوصية:فقال
إنّي أتيتُكَ يا مختارُ مبتهلًا والدَّمعُ في العينِ أسراري وأشعاري
هذا البيت من أكثر أبيات النص دلالة على طبيعة تجربة ثروت سليم. فالشاعر لم يقل : «كتبت إليك»، وإنما قال : أتيتك
وزاد فلم يتعمد أن يكون متفاخرًا بفصاحته، بل ” مبتهلًا.”
فقصيدة ثروت سليم تخطت قوة اللفظ، إلى صدق الانفعال.
وإذا كان شوقي قد جعل الكون يحتفل، والرفاعي جعل النور يبدد الظلام، فإن ثروت سليم يجعل العين تبكي محبةً، والقلب يناجي.
” يا خير من وطئ الثرى هِمَمًا وأعطى الحياةَ صفاءً بعدَ كدّارِ
أما خاتمة القصيدة عند ثروت سليم فهى استمرار للمولد في الوجدان، لا نهاية له.
وبعد فالثلاثة شعراء. وباختصار يمكن إجمال ثلاث صور: واضحة المعالم عندهم
أحمد شوقي: وُلِدَ الهدى فالكائناتُ ضياءُ ” إنه نور الكون.
ثروت سليم: وجلّلَ القلبَ أنوارًا بأنوارِ إنه نور القلب
وهذه ليست مجرد مصادفة لفظية، وإنما تكشف اختلاف الرؤية الشعرية.
* فشوقي ينظر إلى المولد من أعلى، فيراه حدثًا كونيًا.
* الرفاعي ينظر إليه من داخل التاريخ، فيراه خروجًا من الظلمات إلى النور. * ثروت سليم ينظر إليه من داخل ذاته، فيرى أثر المحبة في القلب.
وهنا يمكن القول إن التجارب الثلاث تمثل ثلاث درجات من التعبير الشعري عن المولد.
شوقي يمثل الاحتفال الشعري الكبير.
الرفاعي يمثل التأمل الوجداني في الذكرى
. وثروت سليم يمثل الابتهال الشخصي الصادق.
والتقى الثلاثة في حقيقة واحدة:
أن المولد النبوي عندهم تخطى كونه مجرد مناسبة شعرية،إلى ان يكون نافذة على محبة الرسول ﷺ. وهذا هو سر بقاء هذه القصائد
ثلاثة شعراء، وثلاثة أجيال، وثلاثة أساليب. وهكذا يظل مولد الهادي ﷺ قادرًا على أن يوقظ الشعر في كل عصر، لأن محمدًا ﷺ ليس ذكرى في وجدان الأمة، وإنما نورٌ تتجدد معه القصيدة كلما تجددت المحبة