يُمثّل الدكتور حسام عقل واحداً من أبرز وجوه المشهد النقدي والأدبي المعاصر، وهو صاحب مسيرة طويلة في الاشتباك مع النصوص و«تشريحها» وتذوقها.
وفي هذه اللحظة الإبداعية الفارقة، يخرج علينا بمجموعته القصصية الجديدة، التي تُعد بحق صدمة صحية في عالم السرد القصصي، متجاوزة حدود المألوف لتتفاعل مع الأصوات الإنسانية وعوالم الحياة بكل تعقيداتها.
منصة «الشاهد المصري» التقت بالدكتور حسام عقل لنقترب من كواليس هذه التجربة، ونستكمل ملامح مشروعه الإبداعي والفكري في حوار مطول وشيق:
البدايات.. الحرف العربي وذاكرة المكتبات الكبرى
* بدايةً،
نرحب بك دكتور حسام على منصة «الشاهد المصري» التي نتابعها ونتابع إسهاماتك بكل تجلة واكتشاف. ولكل إبداع لحظة ميلاد، ولكل كاتب حكاية مع الكلمة؛ فكيف بدأت علاقتك بالأدب والحرف العربي؟
* د. حسام عقل:
” علاقتي بالأدب تعود إلى فترة الصبا والمرحلة الثانوية؛ حيث كنت أقتني دواوين شوقي وحافظ ونزار قباني. وخاصة شعر نزار قباني الذي كانت جملته تهذب أحلامنا وتناغي المخيلة، وكنا نضع دواوين تحت الوسادة قبل أن نخلد إلى النوم. كما كنت أتابع أحاديث العقاد والمازني من الدرر والفرائد الموجودة في المكتوب المصري والمكتوب التلفزيوني.
وبالتالي، كانت العلاقة بالحرف العربي علاقة وهج واستمرار وتواصل.
أنا ابن الكُتَّاب؛ منذ نعومة أفكاري تعلمت في الكُتَّاب، حفظت القرآن وأخذت على يد شيخي ومعلمي. وفي المرحلة الثانوية، حبانا الله بأساتذة من «الزمن الجميل» تصلني منهم الأسباب حتى الآن؛ أمد الله في عمر أستاذي للغة العربية في المدرسة السعيدية الأستاذ نشأت محمود.
ومن الغريب أنه بعد مرور أكثر من عشرين عاماً، وبعد أن مضت بي سُبل الحياة في السلك الأكاديمي، وجدته في لقاء عابر بالشارع، فعرفني وأنا أعبر نهر الطريق رغم تغير الملامح وتقدم السن، وما زال يذكر التلميذ «حسام عقل» الذي كان يدرس العربية! فتخيل معي أستاذاً يلتقطك شكلاً وسَمتاً وصورةً بعد عقدين من الزمن وأنت تعبر الطريق سريعاً.. لقد توثقت صلتي بالعربية وحرفها وأدبها ومصادرها بفضل هؤلاء المعلمين الأجلاء.”
* وهل امتد هذا الشغف إلى اقتناء أمهات الكتب والمصادر التراثية؟
د. حسام عقل:
” بالتأكيد؛ اقتنيت مكتبة جدي، وكنت أطالع كل الكتب فيها، بما فيها الأصفهاني، وكل مجلدات كتب ابن جني، وسيبويه، والعلماء الكبار. ثم آلت إليّ بعد رحيل جدي في الثمانينيات
مكتبة خالي الذي سافر إلى أمريكا أستاذاً زائراً في جامعة كاليفورنيا -رحمه الله-، وهي مكتبة تضم كتباً بإهداءات من محمود تيمور، وعلي الراعي، وأسماء كبيرة كانت فاعلة في المشهد الثقافي.
مكتبة والدي التي يغلب عليها السمت العربي الإسلامي، وكونت أنا مكتبة رابعة؛ فأصبح في داري المتواضعة أربع مكتبات أجيال يأخذ بعضها برقاب بعض.
وعند حصولي على الثانوية العامة،
قررت أن يكون اختياري هو كلية دار العلوم, ليتحول هذا الحب الانطباعي إلى عمل مؤسسي ودراسة منتظمة تشمل الدراسات الإسلامية، والفقه، واللغة، ومذاهب الأدب والشعر والقِصَّة. وهناك حظينا بأساتذة عظام لا أنسى توجيهاتهم؛ مثل الوزير السابق د. أحمد هيكل، ود. عبد الصبور شاهين، ود. كمال بشْر، وأستاذي رمز العمل النقدي الكبير د. علي عشري زايد -رحمه الله- الذي أعتبره أبي بعد أبي.
صورة معلم اللغة العربية في الدراما.. أزمة الوعي والنمطية المجحفة”
* على ذكر الأساتذة والمعلمين.. كيف ترى الصورة البائسة التي تقدمها السينما والدراما لمعلم اللغة العربية، حيث يُصور دائماً في قالب ساخر أو فج وعكسي؟
د. حسام عقل:
” للأسف الشديد، السينما منذ انطلاق شرارتها الأولى عام 1927 بفيلم «ليلى» للممثلة العزيزة أمينة، وهي تتخذ من شيخ الكُتَّاب وأستاذ اللغة العربية تيمة مستمرة للسخرية، ولا تتنازل أبداً عن هذا الموديل الساخر في كل المراحل. وعلى الرغم من أن أستاذ اللغة العربية هو الأب، والأم الرؤوم، وصاحب الفضيلة والخلق ومنبع الأخلاق، إلا أنه استُخدم كتيمة نمطية للإضحاك وتفجير السخرية.
هذا الأمر جَنَى ثمراً مُرًّا؛ فما عاد أحد يحترم معلماً، وما عاد طالب يوقر مدرساً، وأصبحت المدرسة كلاسيكية تنتمي لأفق قديم. الحقيقة أن شيخ الكُتَّاب والمعلم لم يكن مجرد مُحفِّظ للقرآن فحسب، بل كان الأب والأسرة الحاضنة، والمصدر الممول لكل الفضائل الأخلاقية: أمانة الصدق، صلة الأرحام، لغة التخاطب المحترمة، وقبول الآخر. لقد تعلمناها في مجلسه ودار لقائه، بل وكان أحياناً يحل الأزمات الشخصية والمجتمعية للأسر.”