حـــــــــــــــوار / مــــــدير التحــــــــرير
الجـــــــــــــــــــــزء الثــــانى
* دكتور حسام، كيف تنظر إلى مسار النقد الأدبي المعاصر مقارنة ببداياته؟
وهل تحول النقد إلى ميكانيكية جافة؟
د. حسام عقل:
” سأفرق هنا بين مسارين: مسار النقد، ومسار الإبداع.
مسار النقد تحول في السنوات الأخيرة إلى نمط من الآلية والميكانيكية؛ مدارس نقدية مثل البنيوية، والتركيب، وعلم العروض والتدوير، ونقد الأنساق الثقافية، حولت النص الأدبي إلى محض معمل رياضي يفكك الأجزاء ليعيد تركيبها، وتخلو من النقد الإنساني. ولذلك حتى البنيويون أنفسهم -مثل رولان بارت في آخر ما ودّع به كتاباته- تمردوا على هذا القالب الإدائي النمطي وعادوا للقطعة الشخصية، لأن كل هذه الممكنات حرمتك من المتعة الشخصية.
أما عن نفسي، فلم أسمح أبداً لأداة نقدية أن تتجسد ماكينة صماء؛ فليس مهمتي كناقد أن أنسق عمارة النص من الخارج (السطوح، الأبنية، النوافذ والهيكل)، بل وظيفتي أن أخذ بالنصيص لندخل العمارة من الداخل. ما أنقذني في رحلتي النقدية أن قراءتي الأولى للنص كانت تخضع للذائقة بصورة مطلقة؛ فالذائقة هي التي تختبر الضوء والأنساق الأهم. والمدارس النقدية تأتي لاحقاً وليست في البداية؛ فنحن نأخذ الانطباعات والمخرجات الأولى التي التقطتها الذائقة بـ «أنف قلب الصيد» كما يقول النقاد الفرنسيون، ونحولها بالمنهج إلى شيء منظم وممنهج.”
* بوصفك “الناقد المبدع”، ألا تخشى أن يتدخل الناقد بصرامته في عمل المبدع بداخلك؟
د. حسام عقل:
” أبداً؛ فكما علمنا رولان بارت “موت المؤلف”، تعلمنا مدارس النقد “موت الناقد” بمعنى ألا نسمح الأداة النقدية أن تكبح الشرارة الأولى أو تستبق النص بالشرح.
أنا أترك المخيلة الإبداعية تتحرر في فضاء حر مطلق دون قيود نقدية مسبقة. الموجة الانطباعية الأولى والاستقلالية الأولى يجب أن تخضع للرؤية الفنية ولمنظر الطفل الذي ينظر للكيان بحنان وبراءة، فهذا الطفل هو الصانع الحقيقي للإبداع.
القصة القصيرة.. أزمة المشهد وباع الموسيقى”
* بعد سنوات طويلة من الاشتغال النقدي، لماذا اخترت العودة إلى الإبداع وبداية النشر من بوابة المجموعة القصصية؟
د. حسام عقل: —– ” لأسباب عديدة؛ أولها :
أن القصة القصيرة تمر بأزمة على الأقل في مصر. فمنذ سنوات نتحدث عما يُسمى “موجة القصة القصيرة الجديدة”، والتي للأسف لا تتفهم الاشتراطات الفنية لكتابة القصة القصيرة من تكثيف، وتأطير، واقتناص للحظة الإنسانية في مرحلة تحول وتشكيل. صار البعض يتصور أن المسألة محض مساحة وأن قلة السطور تكفي لصنع قصة قصيرة، وهذا بالغ الرداءة!
القصة القصيرة هي فن اللحظة، وقد مرت بتحولات كبرى أسس لها الكبار مثل: يوسف إدريس (الذي أعتبره أمير القصة القصيرة)، ويحيى حقي، وصنع الله إبراهيم، وإبراهيم أصلان، ونجيب طوبيا، ومحمد مستجاب. حاولت في مجموعتي الجديدة أن أتمثل هذه النظريات لأمرّن القصة القصيرة على استعادة فنيتها وجمالياتها، ولأستخلص موقفاً لهذا الفن من وضعيته المأزومة.”
* يحمل عنوان مجموعتك الجديدة أبعاداً موسيقية وتأويلية عميقة (مثل مجموعتك “كونشيرتو أخير ” لماذا هذا الاختيار بالتحديد؟
د. حسام عقل:
” القصة القصيرة -وبوجه عام ما يُسمى بالسرد- تأثرت بالموسيقى، وخصوصاً تشكيل السيمفونيات التي تقع في حركات (ثلاث أو خمس حركات) تتحول إلى المعزوفة الأساسية. وكما قال فريدريش نيتشه: «كل الفنون تطمح أن تكون موسيقى».
لهذا صممت القصة لتكون عبارة عن تشكيل أو نسق سيمفوني من الحركات، مستلهماً روح فن شعراء مثل “المسحراتي” لفؤاد حداد -حيث يختلط الفن بلحم والدم والعظام دون أن يدرك الناس أن خلف هذه العفوية صناعة فنية محكمة تُشكل الجبال-. وفي مجموعتي القصصية، جعلت السرد يتألف من ثلاث موجات صغار أو ثلاث حركات موسيقية، مستخدماً مصطلحات الأداء الموسيقي (مثل الألجرو)، وكأن مايسترو يوجه العزف على القطعة الموسيقية.”
– فاعليات الجونة هل يمكن أن نطلق عليها مهرجان سينمائى تتوافر له شروط المهرجانات ؟
” مع الأسف الشديد احنا لسه في ظل المخادع والأسرة والكتوف العالية.. وأفراس الترابيز.. والجو التغريبي.. والتخابيش التي تخاطب غرائز السينما..
لكن هل هؤلاء حركوا المشروع السينمائي المصري وامتدوا بمشاريع صلاح أبو سيف أو عاطف الطيب أو رأفت الميهي الذي أتيح له أن يلتقي به؟..
لا.. هناك سنوات ضوئية تفصل هذه الشلة التي تجتمع في حفلة الشواء عن المشاريع السينمائية الكبيرة التي عشناها مع بعض…
وعندما نقارن مهرجان الجونة بالمهرجانات التي نعرفها ونتابعها من سنوات.. مهرجان البندقية.. هل يصنع ما يصنعه الناس في الجونة؟.. مهرجان برلين..
هل يصنع ما يصنعه الناس في الجونة؟.. المهرجانات في فرنسا.. هل تصنع ما يصنعه الناس في الجونة؟..
هذه حواضن سينمائية تبحث عن تجارب سينمائية طليعية جديدة.. أما هؤلاء الذين يجتمعون في الجونة هذا نوع مما أسميه.. يعني.. حفل شواء على الساحل… من الصعب أن نسمي هذا ليس مهرجاناً حتى بمفهوم مصطلح..
مهرجان يعني تحتضن تجارب سينمائية طليعية.. تضيف فيمتو سينمارات.. حلقات نقاش.. نقل.. تطوير لفن السينما.. إبراز للفنانين.. إبراز للتجارب الطليعية.. إعطاء جوائز لمن استحق… —— هل الجونة يصنع من ذلك شيئاً؟..
أو لا يجتمعون بطريقة احتفالية لبق العقل؟.. ويتواطأ معهم محررون لتغطية هذا الغلاف… إذاً.. أنا أرى أن.. السيناريو الذي.. خلق من عمره ثلاثة عقود مثلاً.. أنا أقود بهذا السيناريو بكل معاركه.. بكل أصدائه.. بكل الأسباب والفواتير.. وما زلت.. مديناً بالولاء لهذا السيناريو وأتمم خطط تطوير لهذا السيناريو بذاته.. حتى تصل أوطاننا إلى مساحة الحرية والعدالة الاجتماعية والتسامح وتعارف الفرقاء..
ومثلما تحدثنا عن مهرجان الجونة..
– ماذا تريد أن يبقى في ذاكرة القارئ بعد أن يطوي الصفحة الأخيرة من.. كونسيرتو أخير.. وما رسالتك إليه ؟..
هما سؤالان يعني.. كيف تحمي عقيدة.. كيف تبني وطناً.. والامر الثالث.. كيف تكون مستمراً بحق؟..
لو أن.. الإصدار القصصي.. وصل بنا إلى ضفة هذه الأسئلة الثلاثة.. كيف نبني عقيدة.. كيف نحمي وطناً.. كيف نصل إلى مربع استمارة.. ينعم فيه الجميع بأفي الغطاء ودنه.. بحصص متكافئة.. وبمواطن.. يحظى بالاحترام وتحظى بالكرامة وتحظى بالعدالة الإنسانية..
لو وصلنا بالاصدار القصصي إلى دقة هذه الأسئلة الثلاثة.. حتى مناورة هذه الأسئلة الثلاثة.. فأنا أعتبر هذا ضميماً تماماً ومجزاً أفاخر به… المحاور:
* ختاماً.. لماذا يُصر المبدع والناقد في هذه المرحلة على تقديم مثل هذه الشهادات والأعمال؟
د. حسام عقل:
” لأنني أعتقد أن الفن شهادة. وكان يقلقني في شهاداتي الأخيرة قبل الرحيل عن هذه الحياة أن أترك خلاصة الحكمة والتجربة بعد وقود من المعيشة والحياة فوق هذا الكوكب الذي يكتظ بالمعارك، والأشواق، والمخاطرات، لنقول كلمتنا للإنسان والوجود.”
– في نهاية اللقاء..
نشكر — . الناقد الكبير الدكتور حسام عقل.. على إتاحة هذه الفرصة لـ الشاهد المصري.. ونتمنى له.. إن شاء الله يوم الأحد.. ندوة موفقة.. لكي تخرج النور مجموعته القصصية كونسيرتو أخير..
كل امنياتي للدكتور حسام عقل بالتوفيق.. ونجاح مشروعكم للسرد العربى
. شكراً لكل التقدير والتحية لك مدير التحرير أ – هشام صلاح .. وللشاهد.. ولطاقم وفريق العمل






















