انطلاقا من منطق الحوار العقلي الرصين يأتى كتاب «العدالة في الإسلام في قفص الاتهام» للكاتب محمد أنيس بوصفه محاولة واعية لإعادة فتح ملف الإيمان،
في خضمّ موجاتٍ متصاعدة من الجدل حول العقيدة ووجود الله ، بعيدا عن موقع الوعظ، ولكن انطلاقا من عقلية وآراء المشككين،
تتدرج الكاتب بدءا من الدفاع عن العدالة كقيمة إسلامية،إلى مد جسور النقاش إلى الجذر الأعمق: سؤال : الوجود ذاته
ينطلق أنيس من إدراكٍ مهم، مفاده أن الخطاب الإلحادي المعاصر تجول من مجرد إنكارٍ سطحي، إلى أن أصبح خطابًا يتوسل بالعلم والفلسفة، ويستند إلى تساؤلات تبدو – في ظاهرها – منطقية.
ومن هنا، كان منطقية المؤلف حيث تجنب بداية الرفض أو الاتهام، واختار أن يدخل ساحة النقاش بأدواتها:
” العقل، والمنطق، والتحليل.” في معالجته لمسألة وجود الله،
وهنا استحضر الكاتب ما يُعرف بدليل “النظام الكوني”، فأشار إلى أن هذا الكون، بما فيه من دقةٍ مذهلة في القوانين والثوابت، لا يمكن أن يكون وليد الصدفة العمياء. فالاتساق بين عناصره، من حركة الأفلاك إلى تركيب الخلية، يشي – في نظره – بوجود إرادةٍ عليا تقف خلف هذا البناء المحكم
بعدها تخطى الكاتب هذا الحد، لينتقل إلى تفكيك فكرة “العدم الخالق”، التي يتكئ عليها بعض دعاة الإلحاد، متسائلًا:
كيف يمكن للعدم – وهو نفيٌ مطلق – أن يكون مصدرًا للوجود؟
هنا، يعيد أنيس طرح السؤال بصيغةٍ فلسفية:
“هل يمكن لشيءٍ أن ينبثق من لا شيء دون سبب؟”،
ليجد القارئ نفسه أمام مفارقةٍ عقلية يصعب تجاوزها.
ولو انتقلنا إلى مستوى العقيدة، فيؤكد الكاتب أن الإيمان في الإسلام لا يقوم على التسليم الأعمى، بل على التوازن بين العقل والنقل.
فالقرآن – كما يرى – قدرالتدبرو العقل، فاستدعى الكاتب أكثر من مرة قوله تعالى : ” أفلا تعقلون ” ، ” أفلا يتفكرون ” ،
في دعوةٍ صريحة إلى التفكير والتأمل، بعيدا عن التلقّي السلبي.
ونجح الكاتب إلى حد بعيد حينما لم يلجأ لشيطنة المخالف، إنما تعامل مع دعاة الإلحاد بوصفهم طرفًا في حوارٍ إنساني مشروع، حتى وإن اختلفت النتائج. فهو يفرّق بين “السؤال” بوصفه مدخلًا للمعرفة، و”الإنكار” بوصفه موقفًا نهائيًا،
فنجح لحد بعيد فى أن يجعل الباب مفتوحًا أمام القارئ ليعيد النظر دون ضغطٍ أو وصاية.
ومما يحسب لطرح محمد أنيس هو محاولته الربط بين الإيمان والعدالة، إذ يرى أن إنكار وجود الله لا يقتصر أثره على البُعد الغيبي، بل يمتد إلى المنظومة الأخلاقية برمتها. فإذا غاب المرجع الأعلى، فمن أين تُستمد معايير الخير والشر؟ ومن يضمن ثباتها في وجه المصالح المتغيرة؟
في النهاية،
تعمد المؤلف عدم تقديم إجابات نهائية بقدر ما طرح أسئلةً كبرى، ليُعيد ترتيب العلاقة بين العقل والإيمان، في محاولةٍ لإخراج النقاش من دائرة الصدام إلى فضاء الحوار مبرهنا على أن الإسلام ليس دين عنف أو إقصاء للأخر بل ينطلق من قاعدة إيمانية ” وجادلهم بالتى هى أحسن “