كانت أمسية رائعة بمذاق موريتانى بأجواء مصرية بمحفل الثقافة العربية بملتقى السرد العربى كانت الأمسية الثقافية لمناقشة العمل الروائي
«تائهة في القاهرة»، للكاتبة الموريتانية ليلى شغالي ويمكننى القول بأن العمل نصًا سرديًا ينتمي إلى
أدب الرحلة النفسية بقدر ما يندرج تحت الرواية الاجتماعية،
حيث اتخذت الكاتبة المبدعة من مدينة القاهرة فضاءً مركزيًا لصراع داخلي تعيشه البطبين الانتماء والاقتلاع، وبين الحلم والواقع.
تدور الرواية حول شخصية نسوية قادمة من بيئة مغايرة، تجد نفسها في قلب مدينة صاخبة، متشابكة التفاصيل، تتقاطع فيها الأزمنة والوجوه. هنا، لا تبدو القاهرة مجرد مكان جغرافي، بل تتحول إلى كائن حي، يختبر البطلة ويعيد تشكيل وعيها، في رحلة قاسية لاكتشاف الذات
تعتمد الكاتبة على لغة شفافة، تمزج بين البوح الداخلي والوصف الخارجي، حيث تتقاطع مشاهد الازدحام وضجيج الشوارع مع لحظات الصمت والعزلة.
هذا التداخل يمنح النص بعدًا شعوريًا عميقًا، ويجعل القارئ شريكًا في تجربة “التيه” التي تعيشها البطلة، لا مجرد متلقٍ للأحداث
وتبرز الرواية بوضوح إشكالية الاغتراب، ليس فقط بوصفه اغترابًا مكانيًا، بل اغترابًا وجوديًا؛
إذ تتساءل البطلة عن موقعها في عالم سريع التحول، وعن قدرتها على الحفاظ على هويتها وسط ثقافة مختلفة وإيقاع حياة متسارع. وهي ثيمة طالما شغلت الأدب العربي الحديث، خاصة في الأعمال التي تتناول الهجرة والانتقال بين العوالم.
كما تطرح «تائهة في القاهرة» قضايا المرأة العربية في سياق معاصر، حيث تتجلى التحديات التي تواجهها بين قيود المجتمع وتطلعات الحرية، في سرد يتسم بالصدق والجرأة، دون الوقوع في المباشرة أو الخطابية.
ومن الناحية الفنية، تنجح ليلى شغالي في بناء نص متوازن، يجمع بين السرد التقليدي والنَفَس التأملي، مع توظيف ذكي للزمان والمكان، ما يمنح الرواية طابعًا إنسانيًا عامًا يتجاوز حدود الجغرافيا.
في النهاية، يمكن القول إن «تائهة في القاهرة» ليست مجرد حكاية عن الغربة، بل
هي نص عن الإنسان في مواجهة ذاته، وعن المدينة حين تتحول من ملاذ إلى اختبار، ومن حلم إلى سؤال مفتوح.