ذكريات في رحاب الدار
مدير تحرير الشاهد ،،، يكتب
ثمة أماكن لا يغادرها الإنسان وإن غادرها
لأنها مستقر مكينة في أعمق مواضع الذاكرة، تظل حاضرة في القلب كلما مر طيفها، أو هبت نسمة من ذكرياتها.
ومن هذه الأماكن التي ستظل عزيزة على نفسي دار العلوم؛ ذلك الصرح الذي احتضن خطواتي، وأظلني بعلمه، وفتح أمامي أبواب المعرفة، بين قامات علمية وأدبية كانوا بحق سدنة اللغة العربية وحراسها الأمناء.
فما أجمل أن يعود الطائر إلى عشه، إلى المكان الذي أمن بين أركانه، وتربى في رحابه، ونهل من معين علم رجاله وعلماءه .
وما أجمل أن يعود الإنسان إلى موطن من مواطن روحه، فتتداعى الذكريات واحدة تلو الأخرى، وتستعيد النفس أياماً لا يملك الزمن عليها سبيلاً إلى النسيان.
إنها ذكرى التكريم في رحاب دار العلوم محفورة في وجداني، لا تمحوها الأيام ولا تطويها السنون.
فلن أنسى ما حييت ذلك اليوم الذي كرمتني فيه دار العلوم، ممثلة في عميدها العالم الجليل الأستاذ الدكتور علاء رأفت،
حين توج هامتي بشهادة تقدير وميدالية الدار.
قد يعتقد البعض أن نلك الشهادة والميدالية يومها مجرد تكريم عابر،
والحقيقة أنهما كانتا بالنسبة إليّ أعمق من ذلك بكثير؛
كانتا رسالة تقدير من صرح أحببته، ووساماً أعتز به، وذكرى ستظل تنبض في القلب كلما عادت بي الذاكرة إلى تلك اللحظة الجميلة.
الذكرى الثانية، أكثر دفئاً وألقاً، حين تشرفت بدعوة كريمة من العالم والفيلسوف الإسلامي الأستاذ الدكتور راضي رضوان، عميد دار العلوم، الذي أهداني شهادة تقدير ودرع دار العلوم.
نعم ، كان للدرع يومها وقع خاص في النفس؛ إذ شعرت أنني أحمل بين يدي شيئاً من روح الدار، ومن تاريخها، ومن محبتها التي ظلت تسكن وجداني.
فأثمن الهدايا لا تُقاس بقيمتها المادية، وإنما بما تحمله من معنى، وما تتركه في النفس من أثر، وما تفتح من أبواب للذكرى والامتنان.
لكل هذا ستظل دار العلوم بالنسبة إليّ أكثر من مكان؛
ستظل بيتاً من بيوت الروح،
ذاكرةً نابضةً بالعلم والمحبة والوفاء، ستظل وجوه أساتذتها وعلمائها وطلابها حاضرة في القلب، شاهدة على أيام جميلة لا يملك النسيان أن ينتزعها.
فلكل علماء دار العلوم وأساتذتها وطلابها ومحبيها ومريديها، تحية إجلال وتقدير، وامتنان لا تفي به الكلمات.
لتبقَ دار العلوم، كما عهدناها، داراً للعز، وقلعةً لصون اللغة العربية، وحصناً للهوية، وحارساً أميناً للعلم والثقافة وقيم أمتنا.
عاشت دار العلوم عزيزةً أبيةً، شامخةً بين الجامعات والكليات، وعاش أبناؤها نجوماً تهدي السائرين في دروب المعرفة والثقافة، وتحمل راية العربية جيلاً بعد جيل.






















