الأحداث الكبرى تمثل عند البعض مادة الكتابة الجيدة ، لكن الحقيقة أن الكتابة الجيدة هى تلك التى تمتلك القدرة على استخراج الدهشة من تفاصيل الحياة العادية.
هذا ما نلحظه ويقدمه الكاتب هشام صلاح في مقالتيه:
** ” أنا… ومعاناتي وماكينة الصرف الآلي ATM» ” ** ” رسالة أستاذي أنستني قواعد عمل الملوخية “
فقد استطاع الكاتب تحويل موقفين عابرين إلى لوحتين أدبيتين تمزجان بين السرد، والفكاهة، والتأمل، والنقد الاجتماعي.
* فمن خلال المقال الأول /
ينطلق الكاتب من أزمة البحث عن ماكينة صراف آلي تعمل، لكنه خرج عن إطار سرد الوقائع، إلى منح الجمادات روحًا ، فغدت ماكينة الصراف كائنًا يحاور ويعتذر ويواسي،
وهذا توظيف ناجح لفن التشخيص يمنح النص حيوية ويقربه من القارئ.
انطلق الكاتب بسلاسة من الموقف الشخصي إلى لفتة إنسانية مؤثرة حين يتوقف أمام طوابير أصحاب المعاشات، فيرصد معاناتهم بكلمات تحمل التعاطف والوفاء لمن أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن.
يبلغ المقال ذروته الفنية في الحوار الطريف مع الرجل الذي لم يترك للكاتب فرصة إلا وتدخل فيها بالنصح والإرشاد، لتتولد مفارقات ساخرة تنتهي بخاتمة ذات بعد فلسفي عندما يردد الرجل:
«مفيش حاجة باقية… كله فان»، —— فتتحول الكوميديا إلى تأمل في حقيقة الحياة
* أما المقال الثاني /
يرسم الكاتب مشهدًا أسريًا دافئًا يبدأ بحوار أب مع صغيرته حول وجبة الغداء،
تطورالأمر إلى موقف طريف عندما ينسى الكاتب «شهقة الملوخية» لانشغاله بقراءة رسالة أستاذه التى أرسلها له عبر الوتس آب
كشف النص عن تقدير الكاتب للغة العربية وبلاغتها، فنجده يصور الرسالة وكأنها بحر من البيان والبديع خطف انتباهه حتى أنساه أبسط قواعد إعداد الطعام.
وامتاز هذا المقال بخفة الظل التي لا تلغي صدق المشاعر، فالعلاقة بين الأب وابنته جاءت عفوية،
كما أن اعتراف الكاتب بخطئه أضفى على النص مسحة إنسانية محببة، وانتهى بمشهد بسيط يحمل ابتسامة رقيقة دون افتعال
. وتتجلى أبرز ملامح أسلوب هشام الكاتب فيما يمكن حصره :
– سهولة اللغة مع محافظتها على فصاحتها، – استخدام الصور البيانية،
– والقدرة على تشخيص الجمادات، – والحوار الطبيعي الذي يمنح النص حركة وإيقاعًا، – فضلًا عن المزج بين الفكاهة والرسالة الاجتماعية، – والانطلاق من تجربة شخصية للوصول إلى معنى إنساني عام.
إن هذين المقالين يؤكدان أن الكاتب يمتلك قلمًا يجمع بين روح الأديب وعين الصحفي؛ فهو يلتقط التفاصيل الصغيرة، ثم يعيد تشكيلها في قالب أدبي مشوق،
وهذا يجعل القارئ ” يبتسم أحيانًا ” و ” يتأمل أحيانًا أخرى “
دون أن يفقد النص صدقه أو عفويته، وهي سمة لا تتوافر إلا لدى الكُتّاب الذين يؤمنون بأن الأدب يبدأ من نبض الحياة اليومية.