في وطنٍ تثقل كاهل أبنائه الأعباء الاقتصادية، وتكافح أسرُه من أجل توفير احتياجاتها الأساسية، تبدو بعض مشاهد مهرجان الجونة وكأنها قادمة من عالم آخر، لا يمت بصلة إلى واقع المصريين ولا يعبر عن أولوياتهم أو همومهم
فالمصريون الذين يواجهون تحديات الحياة اليومية لديهم ما هو أهم من متابعة مهرجان تتصدر أخباره أحيانًا إطلالات مثيرة للجدل وتصريحات صادمة ومشاهد تثير التساؤلات حول رسالة الفن وحدود علاقته بقيم المجتمع وتقاليده.
* أي فن هذا الذي يختزل الإبداع في المظهر، والموهبة في استعراض الأزياء، والنجومية في إثارة الجدل؟
إن مصر، بتاريخها الفني العريق، منذ البدايات عرفت أن الفن يتعدى كونه مجرد أضواء وعدسات وكاميرات، إلى أن يكون رسالة وعيًا ووجدانًا، وصوتًا يعبرعن الناس، ويصون هويتهم، ويرتقي بأذواقهم.
هنا تأتي خطورة الصورة التي تقدمها بعض الإطلالات والتصريحات الصادرة عن بعض المشاركين في هذه الفعاليات، حين تتجاوز حدود اللياقة والذوق العام، وتتصادم مع ما اعتاد عليه قطاع واسع من المصريين من احترام للخصوصية والتقاليد والقيم الأسرية
.حاشانا أن نكون في خصومة مع الفن، أو مع حرية الإبداع، لكننا نرفض أن يتحول الفن إلى مظهر استعراضي منفصل عن المجتمع، أو أن تصبح الإثارة وسيلة سهلة لانتزاع الأضواء على حساب الموهبة والرسالة والمصداقية
نقدنا هنا ليس المظهر وحده، ولا يجوز أن يتحول إلى محاكمة شخصية للفنانين، وإنما ينصب على ظاهرة تستحق التوقف أمامها:
* لماذا تتراجع قيمة العمل الفني في بعض التغطيات أمام أخبار الملابس والإطلالات والتصريحات المثيرة؟
* لماذا لا تحظى الموهبة الحقيقية والإنتاج الجاد بما يستحقانه من اهتمام؟
** رسالتى إلى السيد نقيب المهن التمثيلية..
الفن مسؤولية قبل أن يكون شهرة. إن حضور ممثلي النقابة وقياداتها مثل هذه الفعاليات يمنحها، بالضرورة، قدرًا من الاعتبار المهني والرمزي؛
ولذلك فإن من حق الجمهور أن يتساءل عن معايير المشاركة والتمثيل النقابي، وعن الدور الذي ينبغي أن تضطلع به النقابة في الدفاع عن صورة الفنان المصري، وصون قيمة المهنة
* النقابة أعظم من مجرد مظلة مهنية، لأنها مؤسسة تشجع الفن الجاد الذي يليق بتاريخ مصر وريادتها، ومنوط بها أن تفتح حوارًا مسؤولًا حول حدود العلاقة بين الحرية الشخصية والمسؤولية العامة
** إلى رعاة مهرجان الجونة والقائمين عليه:
النجاح الحقيقي لأي مهرجان لم يكن يوما يُقاس بحجم الأضواء التي تسلط عليه، ولا بعدد الصور التي تتصدر مواقع التواصل، بل بقدرته على تقديم فن جاد، ودعم الموهوبين، وإثراء الحياة الثقافية، وتعزيز مكانة مصر الفنية أمام العالم.
فاختُزلت الفعاليات في مظاهر الترف والجدل، فإنها تخاطر بفقدان رسالتها الثقافية، وتوسيع الفجوة بينها وبين جمهورها.
إن المجتمع المصري، بتنوعه واختلاف رؤاه، يستحق خطابًا فنيًا يحترم عقله ووجدانه، ويقدر ظروفه الاقتصادية، ولا يتعامل مع قيمه باعتبارها عبئًا على الحداثة أو عائقًا أمام الإبداع.
رسالتى ليست ضد مهرجان الجونة، ولا ضد الفن أو الفنانين، وإنما ضد أن يصبح المظهر بديلًا للموهبة، والإثارة بديلًا للإبداع، والاستفزاز بديلًا للحوار.
فمصر التي أنجبت عمالقة الفن والأدب، وقدمت للعالم أعمالًا خالدة في السينما والمسرح والموسيقى، أكبر من أن تُختزل صورتها في مشاهد عابرة أو إطلالات مثيرة للجدل
يبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجهه الجميع:
هل نريد فنًا يصنع الوعي ويحترم المجتمع، أم مشهدًا صاخبًا يستهلك الأضواء ثم يترك وراءه مزيدًا من الجدل؟
الحقيقة التى يتجاهلها الكثيرون أن ذاكرة المصريين لا تحتفظ بالأضواء طويلًا، لكنها تحفظ الأعمال الصادقة، والمواقف المسؤولة، والفنان الذي يعرف أن موهبته أمانة، وأن شهرته لا تعفيه من احترام المجتمع الذي منحه مكانته.