حديث مع ذاكرة الزمن الجميل مع الإعلامية حكمت محمود الشربيني، الشهيرة بـ حكمت الشربيني،
واحدة من أبرز وأقدم قامات الإذاعة المصرية، وصاحبة صوت رخيم ومميز ارتبط في أذهان الملايين بإلقاء الشعر والبرامج الثقافية الراقية، حتى لُقّبت بـ “قيثارة الإذاعة المصرية” أو “قيثارة الشرق الأوسط
* قال عنهاعمالقة الفن :
الموسيقار محمد عبد الوهاب : “إنها صوت ضل طريقه للغناء
ولعذوبة نبرتها قال عنها المفكر مصطفى محمود : “حكمت بدأت من حيث انتهى الآخرون” إشادةً بتميزها المبكر
. حظيت بفرصة الانفراد بمحاورة كوكب الشرق أم كلثوم، وكانت تتولى تقديمها وإلقاء قصائدها في بعض الحفلات عبر ميكروفون الإذاعة.
تم تكريمها من قِبل الهيئة الوطنية للإعلام في مايو 2026 ضمن فعاليات صالون ماسبيرو الثقافي تقديراً لتاريخها الإعلامي العريق
** بداية يسعد الشاهد المصرى ومدير التحرير أن يكون لهم هذا الحوار مع قيثارة الإذاعة المصرية /
أهلًا بك الإذاعية القديرة قيثارة الشرق الأوسط ” ماما حكمت الشربينى ” على هامش حضورة ضيف شرف على ملتقى السرد العربي، الذي يذكّرنا عبر ندواته وضيوفه بالزمن الجميل؛ زمن القامات الإعلامية والأدبية التي كانت لها قيمتها ومكانتها، ورسّخت قواعد الأخلاق والمبادئ.
يسعدني اليوم أن نستمع إلى رأي ونظرة واحدة من رائدات و أعلام الإعلام المصري. الإذاعية حكمت الشربينى ” قيثارة الشرق الأوسط والإذاعة المصرية
* – كيف ترى حالة الكبوة التي أصابت الإعلام في الوقت الحالي؟
” يا ابني، هي جملة واحدة بسيطة جدًا: الإعلاميون والمذيعون في زماننا كانت لهم قيمة وقدر. كنا نتمنى أن نصبح مثل الأستاذة آمال فهمي، والأستاذ طاهر أبو زيد، والأستاذ أحمد سعيد، وقارئة النشرة التي لا تُنسى جميلة عبد العزيز في البرنامج العام، والأستاذ حسين شاش
حسين شاش كان مذيعًا في البرنامج العام. كنت أذهب إلى نوبتي في إذاعة الشرق الأوسط، وعندما تكون هناك أغنية طويلة ويكون هو في الاستوديو على الهواء في البرنامج العام، كنت أذهب لأستمع إليه.
كنت أتعجب وأقول: ما هذه القراءة؟ ومن هؤلاء الناس؟
كان هؤلاء أساتذة نتعلم على أيديهم، وكان لا بد أن تكون لدينا قدوة نسير على أثرها في الإعلام. – لكن للأسف-
لاحظنا في السنوات الأخيرة أن بعض من يُسمَّون إعلاميين بعيدون تمامًا عن جوهر المهنة، وانصرف اهتمامهم إلى مجالات أخرى، وأصبحت الأموال والمظاهر تحتل مساحة كبيرة من الاهتمام
. أنا لا أريد أن أذكر أسماء بعينها ؛ لأنني لا أعرف الجميع، لكن المهم أن هناك فارقًا كبيرًا بين من يحب الميكروفون والمهنة، وبين من يكون همه الحصول على المال.
المظاهر التي نراها اليوم، من نفقات المذيعات على تصفيف الشعر والملابس وغيرها، أصبحت تكلف مبالغ قد تعادل رواتب عدة أشهر من رواتبنا في الماضي.
* – إذا تحدثنا عن تبنّي بعض المؤسسات ورجال الأعمال للقنوات الفضائية والإذاعات، فهل يصب ذلك في صالح الأعمال الإعلامية؟
” النتيجة هي الفيصل. إذا كانت النتيجة جيدة، فأهلًا وسهلًا ومرحبًا. أما إذا كان الأمر مجرد استعراض، من دون معالجة حقيقية للقضايا المعاصرة، فهنا تظهر المشكلة. “
* – هل تناول بعض الأعمال والقضايا الإعلامية يأتي من رؤية إعلامية صحيحة، أم أن المصالح والرغبات الشخصية تتدخل في اختيار القضايا وطريقة تناولها؟
” لا بد أن تكون هناك رغبة حقيقية في العمل الإعلامي، وأن يكون لدى الإعلامي إيمان برسالته، لا أن يكون هدفه مجرد تحقيق المصالح الشخصية. لقد كانت الإذاعة في زماننا تتمتع بجاذبية خاصة، وكانت منافسًا قويًا للتلفزيون. ويمكنني أن أذكر مثالًا شاهدته بعيني
. كان الأستاذ حسين شاش، عندما يقرأ النشرات، يدخل الاستوديو قبل النشرة بثلاث دقائق، وينظر إلى أوراق النشرة، ثم يقرأها وكأنه قد ذاكرها وحفظها من قبل. كنت أتعجب وأقول: ما هذه القوة؟
وما هذا الجمال في القراءة؟ هل وصل إلى ذلك من فراغ؟
بالطبع لا؛ فقد كانت وراءه شخصية مثقفة، قارئة، ومتمكنة من أدواتها المهنية.
هذا ما نتمناه اليوم؛ أن نرى إعلاميين يمتلكون الثقافة والتمكن، مثل الأستاذ حسين شاش، والأستاذة آمال فهمي، والأستاذ أحمد سعيد، وجميلة عبد العزيز، وغيرهم من رواد الإعلام.
وأذكر أيضًا الأستاذة أمينة صبري، من مذيعات صوت العرب، والأستاذ شادي شاش، ابن الأستاذ حسين شاش، الذي عمل مذيعًا في القنوات الفضائية. لقد كان هناك جيل يعرف قيمة الكلمة، ويمتلك أدواته المهنية، ويؤمن بأن الإعلام رسالة قبل أن يكون وظيفة.”
*- هل كان للسياسة العامة للدولة، ووجود كوادر مؤهلة، دور في جعل الإذاعة منافسًا قويًا جدًا للتلفزيون بل تفوق عليه فى كثير من الأوقات ؟
” بالتأكيد، فوجود الكوادر المؤهلة عنصر أساسي في قوة الإذاعة. وأريد أن أؤكد أن ما وصل إليه الإعلاميون الكبار لم يكن أمرًا عابرًا؛ بل كان نتيجة ثقافة وقراءة وإعداد وخبرة.
وأنا أتمنى أن أرى إعلاميين يمتلكون هذه الروح المهنية، ويقتدون بالنماذج التي صنعت تاريخ الإذاعة المصرية.
وأذكر أن إذاعة الشرق الأوسط كان لها نهج خاص في تقديم المنوعات، ثم جاء جيل استطاع أن يغيّر شكل الأداء ويضيف إليه البهجة.
أذكر هنا أنس جوهر، الذي استطاع أن يجعل الناس تضحك وترقص وتشعر بالسعادة من خلال برامجه،
كان ذلك مناسبًا لطبيعة المنوعات التي يقدمها. لكننا كنا في الوقت نفسه نعرف قيمة المدرسة الإعلامية التي تعلمنا منها،
مثل : الأستاذ طاهر أبو زيد، الذي كنت أقول له دائمًا:
«حبيبي، أنت طاهر اليد واللسان “
لقد كان الأستاذ طاهر نموذجًا يُحتذى به في النزاهة والأخلاق، وكانت هذه المعاني جزءًا أصيلًا من تكويننا المهني. “
*- هل تتحمل المؤسسات التعليمية جزءًا من المسؤولية عن ضعف إعداد الكوادر التي يمكنها الالتحاق بالعمل الإعلامي؟ وهل يمتد دورها إلى إعداد كوادر للعمل الصحي والثقافي أيضًا؟
” نعم، فالتنشئة والتعليم لهما دور أساسي في إعداد الكوادر. والمؤسسات التعليمية مطالبة بأن تسهم في إعداد أشخاص مؤهلين للعمل الإعلامي والصحي والثقافي،
لابد من أن تهتم بالصدق والجدية والتأهيل المهني. فالموهبة وحدها لا تكفي، بل لا بد من إعداد جيد، ومن وجود نماذج يتعلم منها الشباب، حتى يستطيعوا أن يحملوا المسؤولية ويؤدوا رسالتهم على الوجه الصحيح. “
*- إذا أردنا أن نقدم نصيحة إلى الشباب والإعلاميين الجدد الذين يريدون أن يصبحوا مثل أساتذتكم، فماذا تقول لهم؟
” أنصحهم بأن يتعلموا من الأستاذ طاهر أبو زيد، والأستاذة آمال فهمي، والأستاذ أحمد سعيد، والأستاذ حسين شاش، وغيرهم من رواد الإعلام المصري.
هؤلاء نماذج يُحتذى بها لكل إعلامي يريد أن ينجح في مجاله. لا بد أن يتعلم الشباب من خبراتهم، وأن يدركوا أن الإعلام ليس مجرد ظهور أمام الكاميرا أو وقوف أمام الميكروفون، بل هو ثقافة ومسؤولية وأخلاق ورسالة”
فى نهاية حوارنا لا يسعنى إلا تقديم الشكرًالجزيل لك أستاذتنا الإعلامية القديرة حكمت الشربينى على هذه الفرصة الطيبة للحديث، ونتمنى أن يمتعنا الله دائمًا بوجودك معنا .