كانوا على يقين أن حملاتهم ستنجح، ولم لا.. أصواتهم مسموعة وأقلامهم مرفوعة على كل من يقف
في طريق مخططاتهم، فتلك هي أيديولوجياتهم. عندما هاجموا مكبرات الصوت المنبعثة من داخل المساجد
في أوقات لا تتعدى الساعة في اليوم الواحد، كان كل شيء معدًا مسبقًا؛ الحملات، الضغط العصبي،
البكاء على المرضى، والتباكي على الطلاب والأطفال، وأشياء أخرى كثيرة أُقحمت في المشهد لتبرير الهجوم الحاد.
فلم يكن تنظيم الصوت هو الهدف منذ البداية !
إن الهدف الحقيقي، في عمق هذه الاستراتيجية الممنهجة، هو محاصرة الصلاة في جماعة وإفراغ المساجد من
روحها وجاذبيتها الحركية والروحية داخل المجتمع. لكنهم كعادتهم، لا يجرؤون على كشف أوراقهم دفعة واحدة، بل
يرسلون الصيحات، ويبثون الترندات تباعًا في أوقات مدروسة بدقة عالية؛ يبدأ الأمر بمطالبة خفض
الصوت، ثم قصر المكبرات على الأذان وحده، وصولًا إلى صناعة بيئة نفسية تنظر إلى صوت التكبير
والقراءة وكأنه “تلوث سمعي” يجب التخلص منه.
إن هذه المعركة ليست إدارية حول بضعة “ديسيبلات” من الصوت، بل هي معركة هوية بامتياز. هي
محاولة لفرض العلمانية الإقصائية التي تريد حبس الدين داخل القلوب خلف الجدران المغلقة، ومنع تفاعله
الطبيعي مع الشارع والمحيط الإنساني، مستغلة في ذلك أدوات الإعلام والضغط النفسي لتمرير المخطط !
خطوة تلو الأخرى تحت لافتات التحديث والتطوير.
الأصوات الصاخبة المنبعثة من قاعات الأفراح، الحفلات، والمقاهي الليلية، ووسائل النقل المستمرة
لساعات طويلة، لا تحظى بنفس الهجوم الشرس ولا تعني لهم شيء.
لكنها المساجد المزعجة التي ترسل التكبيرات وتعدعوا للصلاة وهي التي لا تتجاوز قراءتها دقائق معدودة في اليوم.
الطمأنينة والأمن الروحي)الهوية السمعية والأمان الوجداني: صوت الأذان والتكبير يمثل “الخلفية الصوتية” التي
نشأت عليها الأجيال. غياب هذا الصوت أو كتمه يولد شعوراً خفياً بالاغتراب والوحشة داخل الوطن
.الارتباط الشرطي بالسكينة: ارتبطت أصوات الصلاة في وجدان المسلم بانتهاء صخب السعي اليومي
وبدء لحظات الهدوء الروحي. تحويل هذا الصوت في الخطاب الإعلامي إلى مصدر “إزعاج” هو عملية
تشويه نفسي ممنهجة تهدف لقطع هذا الارتباط.العلاج الجمعي: تمثل الدقائق التي ينبعث فيها
صوت القرآن عبر المكبرات فترات “هدوء قسري” لالتقاط الأنفاس وسط ضغوط الحياة المادية الجافة.
البعد الاجتماعي: (حارس الهوية والترابط)المسجد كمركز لضبط إيقاع الحياة: لقرون طويلة، كان الأذان
والصلاة في الجماعة هما الميزان الذي يضبط حركة المجتمع (الاستيقاظ المبكر، مواعيد الأسواق، لقاء الجيران).
إضعاف هذا الرابط يفكك الانضباط المجتمعي التلقائي.تأصيل الهوية الجماعية: سماع الصلاة في
الفضاء العام يذكر الفرد دائماً بأنه جزء من “أمة” وجماعة كبرى تشاركه نفس القيم، مما يقلل من
النزعات الفردية الأنانية.مواجهة التغريب: بقاء صوت الصلاة حياً في الشارع هو خط الدفاع الأخير
لحماية الأطفال والشباب من الذوبان الكامل في الثقافة الغربية المادية التي تُقصي الدين تماماً من المجال العام
ازدواجية المعايير السمعية: الإشارة إلى أن : تلك العقول تعبر عن عمق فكري سيئ لأمر بيتت بليل .
لم يكن الأذان شعيرة دينية فحسب , لكنه رسالة سلام بأن الله أكبر من كل شيئ على الأرض , فيعتبر الظالم ويتوب المسيء .
إن البعد النفسي والاجتماعي للأذان أعمق بكثير للمجتمعات على وجه الأرض : التبصير بأن صوت الصلاة في الفضاء العام هو جزء من “الهوية السمعية”
للمدن العربية والإسلامية، وتغييبه يساهم في تغريب الأجيال الجديدة عن دينها.
العلمانية في أصلها تتعلق بطريقة تنظيم العلاقة بين الدين والدولة والمجال العام.
فالشخص العلماني قد يقول:
«أنا لا أطالب بمنع المسلمين من الصلاة أو الأذان، لكنني أرى أن الدولة ينبغي أن تكون محايدة تجاه الأديان، وأن تُنظَّم المظاهر الدينية في المجال العام.»
هذا لا يعني بالضرورة أنه ضد الإسلام أو ضد الأذان بحسب أدعائهم .
الاعتراض الأيديولوجي .
هنا يكون الاعتراض جزءًا من منظومة فكرية متكاملة.
مثل شخص يرى أن المجتمع ينبغي أن يتخلص من المظاهر الدينية في المجال العام، ولذلك يطالب بمنع الأذان، ويعارض أيضًا الحجاب أو التعليم الديني أو غير ذلك.
هنا لا تكون المشكلة بالنسبة إليه مجرد «صوت مرتفع»، وإنما وجود الشعيرة الدينية نفسها في المجال العام هي شكواه ومبتلاه
معاداة الدين .
الشخص المعادي للدين قد يرى أن الدين نفسه مشكلة أو ظاهرة سلبية ينبغي التخلص منها، وقد يمتد موقفه إلى رفض الشعائر ( الاسلامية )والمؤسسات الدينية أو السخرية منها .
لكن ينبغي الحذر من استخدام هذا الوصف؛ مجرد المطالبة بخفض صوت الأذان لا تجعل الشخص معاديًا للدين بالضرورة لكنه قد يكون معاد للمجتمع المسالم بين قطبيه فأراد الوقية والمقارنة بين ما يتعرض له المسجد وتحظى به الكنيسة .
مثال بسيط جدًا
لو قال شخص:
«الأذان صوته مرتفع، فلنخفض مكبر الصوت.»
اعتراض على الضوضاء.
«يجب تنظيم مكبرات الصوت في جميع دور العبادة، مساجد وكنائس، حفاظًا على الهدوء.»
اعتراض مدني/تنظيمي.
«لا ينبغي أن تُسمع الشعائر الدينية في المجال العام أصلًا.»
اعتراض أيديولوجي/علماني متشدد تجاه المجال العام.
«يجب التخلص من الأذان لأنه يمثل الدين الإسلامي الذي أرفضه.»
هنا نقترب من موقف معادٍ للإسلام، بحسب صياغة الشخص وسياقه.
لذلك في النقاش المصري تحديدًا، أرى أن السؤال الأدق ليس: «هل فلان ضد الأذان؟»، وإنما: «ما السبب الذي يجعله يطالب بمنعه؟»
فالسبب هو الذي يحدد طبيعة الاعتراض.





















