يسعد موقع وجريدة الشاهد المصرى أن يكون له هذا اللقاء والحوار مع شخصية طبية مصرية رائدة فى مجال الطب وزراعة الكبد الجراح المصرى القدوة وزير الصحة الأسبق د عمرو حلمى —— بداية /
حمد لله تعالى على سلامتك وعودتك لمحبيك بصحة وعافية بعد الوعكة الصحة التى ألمت بكم ولقد لمسنا من الجميع الدعاء الصادق من قلوب المصريين لك فحمد لله على سلامتك
* وفي هذا الحوار نتوقف أمام رحلة البدايات… رحلة اختيار الطب ، ترى هل كان حُلم الطفولة؟ أم قرار اللحظة؟
” أنا ابن الزقازيق والبدايات الأولى لم يكن الطب في الحسبان منذ الصغر. على الرغم من أن الوالد – رحمه الله – كان طبيباً ومفتشاً للصحة، وكان عمله يتطلب الانتقال بين المحافظات والمديريات. وفي النهاية استقرّ بالأسرة المقام في مدينة الزقازيق، مسقط الجذور والانتماء. هناك كانت عيادة الوالد قريبة من منزله، وكنت أرى بعيني تقدير الناس له، ومعرفتهم بمهارته في التشخيص والعلاج. كان لذلك المشهد أثره العميق، لكنه لم يكن قراراً مباشراً باتجاه دراسة الطب.
فقد كان بين عشقى الكبير للبحر لذا كان هدفى هو الالتحاق بالهندسة البحرية فأنا عاشق للبحر وأحب الاقتراب منه، وفي الوقت نفسه لا أتحمّل التربية العسكرية. لذا توجهت لمكتب التنسيق لاكتب رغبة الانضمام «قسم الهندسة البحرية» بكلية الهندسة بجامعة القاهرة وكان القرار لسنوات طويلة أن أتوجه إليه فور انتهاء الثانوية العامة. وفعلاً حصلت على مجموع مرتفع، إلى جانب حصولي على التفوق الاجتماعي – إحدى مسابقات وزارة التعليم وقتها – والذي كان يضيف للطالب 2% أو 3% لاستكمال المجموع المطلوب لكليات القمة. وهكذا أصبح من حقي التقدّم لأي كلية تقريباً
* وماذا بعد سيادتكم هل التحقت بالفعل بالهندسة البحرية ؟
توجهت بالفعل لمكتب التنسيق لكتابة رغبتى فإذا بللحظة الفارقة تتجسد أمام مخيلتى وعقلى … مشهد سينمائي غيّر المسار فحين وصلت لمكتب التنسيق والذى كان في بأحد القصور القديمة بالدقي. كانت الطوابير ممتدة حتى خارج الحديقة. لكنني رأيت شبّاكين خاليين تقريباً: أحدهما لـ«أكثر من 80%»، والآخر لـ«التفوّق». فتوجهت إلى الأخير، وكل نيّتي أن أكتب: هندسة القاهرة – قسم الهندسة البحرية. لكن… هنا حدثت اللحظة التي غيّرت كل شيء. حين أمسكت القلم، برق في ذهني مشهد سينمائي لا أعلم حتى اليوم لماذا ظهر بهذه القوة:
مشهد فردوس محمد في أحد الأفلام المصرية القديمة، حين اشتدّ عليها المرض، وكان لها ابنان أحدهما طبيب قام على الفوربتجهّز حقنة، ثم حقنها في الوريد، فإذا بها تستعيد وعيها وتنفرج أساريرها، ويعود إليها لونها وابتسامتها. مشهد بسيط… لكنه جاء في تلك اللحظة، في تلك الثانية بالذات. وبدون أن أشعر، خرج القرار من داخلي. وكتبت أمام الموظف: كلية الطب – جامعة القاهرة.
وهكذا بدأت الرحلة
” الجراحة… يقظة الدقائق الأخيرة وميدان اتخاذ القرار ”
من أصعب اللحظات على الطبيب حين يكون فى ميدان المعركة وبين يديه مجموعة من المصابين وعليه أن يتخذ قرارا فوريا بتحديد من يبدأ دخول غرفة العمليات من بين المصابين من يُقدَّم على الآخر في لحظة فارقة قد تصنع الحياة أو تمنعها. تلك المواقف خلقت شعوراً دائمًا باليقظة التامة، وجعلتنا نقف نعمل ساعات طويلة دون كلل أو ملل لإنقاذ الناس والمصابين.
* حدثنا عن بداية اختيار التخصص وما الذى جذبك ؟
كانت تجربتى السابقة التى ذكرتها — وأنا في بداية عمري وقبل التخصص — جعلتني أعشق ما يُسمّى في علوم الطب بـ فن الجراحة بفروعها المختلفة. ومن هنا صممت أن أسلك طريق الجراحة وأعيش فيه
* كبد المواطن المصري وما يعانيه ترى هل هو صورة مرضية أم أمية مجتمعية؟أم من نظام غذائي خاطئ؟ أم من نمط حياة غير صحي؟
سؤالى دائماً: الكبد المصري… كيف نراه؟
” الحقيقة أن الكبد في العالم كله يعاني بدرجات متفاوتة من “الكبد الدهني”، خاصة مع انتشار الأكلات السريعة والتحضير السريع، وهو ما ظهر بشدة في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. هذه العادات الغذائية أدت إلى زيادة نسبة الدهون في الكبد عالميًا. أما في شرق آسيا والشرق الأقصى، فنسبة الإصابة أقل — حتى أقل من دول الشرق الأوسط والعالم العربي — وذلك يعود إلى طبيعة الطعام هناك؛ فليس لديهم نسب عالية من الدهون والزبدة أو السمنة كما هو موجود لدينا.
* ما هى نصيحتكم للسيدات عند إعداد الطعام للحفاظ على كبد أسرتهن ؟
مشكلة الكبد الأساس هى مع الزبدة والسمن… متى يصبحان ضارّين؟ السمن يُعد من الدهون المشبعة، بينما الزبدة في أصلها دهون غير مشبعة. لكن المشكلة تحدث حين تتعرض للحرارة: الدهون غير المشبعة تتحوّل إلى مشبعة بسبب النار. وكلما طالت مدة بقائها على النار، أصبح ضررها أكبر. وهنا تأتي النصيحة الذهبية:
ضع الزبدة أو السمنة في الطعام بعد انتهاء الطهي مباشرة، وقبل رفع الإناء من على النار بثوانٍ، وأغلق الغطاء.
الحرارة المتبقية تكفي لإذابة الزبدة دون أن تتشبع وتتحول إلى دهون ضارة. هذه النصيحة ليست ترفاً؛ بل حماية حقيقية للكبد. فالضرر كله يأتي من ترك الدهون على النار نصف ساعة أو ساعة ونصف… هنا تتحول إلى خطر حقيقي على الصحة
ونصيحتى الأصح هي: إضافة الزبدة إلى الطعام بعد إتمام الطهي مباشرة وقبل رفع الإناء من النار.
يُرفع الغطاء، توضع الزبدة، تُحرّك، ثم يُغلق الإناء. الحرارة المتبقية تذيبها دون أن تتحول إلى دهون ضارة. وهذا يعطي الطعام طعماً أجمل، ويحافظ على الأحماض الدهنية غير المشبعة، فلا تتحول إلى دهون خطرة. أما الضرر الحقيقي فيأتي من ترك الدهون على النار نصف ساعة أو ساعة ونصف؛ هنا تتحول إلى مصدر بالغ الأذى للكبد.
” بين الجراحة والسياسة… “
معالي الدكتور الوزير… فيما يخص دخول الطبيب إلى عالم السياسي، حين خطت تجربة الوزارة: هل أثر عملكم السياسي على المجهود الطبي؟ وهل يستطيع الطبيب أن يوفق بين العمل السياسي وبين العمل الطبي؟
” الواقع أن الوزارة تحتاج إلى تفرغ كامل. لا يمكن الجمع بين تكليف إدارة وزارة الصحة والسكان وبين علاج المرضى، إلا في نطاق حضور المؤتمرات والندوات. أما العمل اليومي فلا يستقيم معه أي نشاط طبي آخر. ولاسيما أن الفترة التي تولّيت فيها المسؤولية كانت فترة ثورية، حيث كانت الحكومة برئاسة الدكتور عصام شرف، في أعقاب ثورة يناير. لم تكن وزارات طبيعية، بل كانت مرحلة استثنائية تتطلب جهداً مضاعفاً وتفرغاً تاماً”
” بين الوزارة وميدان التحرير ”
أثناء وجودي في الوزارة تفرغت تماماً للعمل الوزاري، بحكم القانون أيضاً؛ فالعيادة الخاصة لا تعمل خلال تولّي المنصب الوزاري، ولذلك كنت متفرغاً بالكامل للفترة الوزارية. كانت فترة سخنة وحاسمة، لأن البلد كانت في حالة غليان مستمر، وما زالت بعض الصدامات تحدث ويصاب الشباب من حين لآخر. ومن ضمن مهامي آنذاك المرور على ميدان التحرير سيراً على قدميّ، فالمسافة من الوزارة إلى الميدان قريبة، وأنا أعشق ميدان التحرير وما كان يدور فيه. كنت أتفقد الأحوال بطبيعة الحال، وكنا دائماً في خدمة المتظاهرين إذا أصيبوا أو احتاجوا لأي دعم في لحظتها، من دون أي تراجع أو تقصير. كما كان الإسعاف مُعدّاً ومتأهباً على مداخل ومخارج ميدان التحرير للحفاظ على سلامة الناس والشباب المتواجدين فيه. —
* اسمح لنا أن نعرف رأيكم فىهجرة الأطباء وبخاصة شباب الأطباء للعمل خارج الوطن ؟
أزمة هجرة شباب الأطباء للعمل بالخارج تتفاقم يوما بعد يوم لدرجة أن مصر بدأت تعاني من عجز واضح في الأطباء.
بداية يجب أن نسأل ما سبب هجرة الطبيب المصري أم أن هناك مشكلة تدفعه لذلك؟ الحقيقة أن رواتب الأطباء في مصر، وخاصة الشباب الذين لم يبدأوا بعد عملاً خاصاً يساعدهم، رواتب هزيلة جداً. الرواتب الحكومية بشكل عام ما زالت مظلومة، رغم التحسينات والزيادات، إلا أن الكادر الحكومي ما يزال كادراً مظلوماً. وهكذا هو الحال بالنسبة لشباب الأطباء؛ فبدل المهن الطبية مثلاً ما زال كما هو، أعتقد أنه تسعة عشر جنيهاً منذ عشر سنوات، رقم لم يتحرك! بينما طبيعة المهنة تحتاج إلى تفرغ وتركيز وجهد مضاعف. من المفترض أنه إذا كانت الرواتب في مصر تتدرج على الدرجات الوظيفية—السادسة، الخامسة، الرابعة…—فإن مهنة الطب خاصة يجب أن يُنظر إليها بعين التقدير، كي نُوقف موجات الهجرة المتتالية. نحن نعاني الآن من نقص فعلي في عدد الأطباء. الهجرة تتتابع، وكل طبيب ينصح الآخر. غير معقول أن يتعلم الطبيب المصري من أول ابتدائي إلى الإعدادي فالثانوي ثم الجامعة، وتدفع الدولة من جهدها ومالها، ثم يهاجر بسهولة بعد التخرج، بينما تعاني المستشفيات الحكومية من نقص حاد
* كلمة توجهها إلى الحكومة لتدارك الأمر – فماذا تقول ؟
” نداء للحكومة: ارفعوا رواتب الأطباء… احفظوا كرامة المصري هذا نداء للحكومة المصرية: ارفعوا رواتب الأطباء، بل رواتب المواطنين جميعاً. فدائماً ما تُقاس دخول المصريين بمرتبهم الحكومي؛ فإذا أرادت شركة خاصة أو مؤسسة استثمارية زيادة راتب موظف، فإنها تزيده “كنسبة من الراتب الحكومي”. بل إن الدول النفطية نفسها حين يذهب إليها الطبيب المصري، يسألونه “تاخد كام في الحكومة في مصر؟” ثم يعطونه ضعف أو ضعفين! يا حكومة مصر
ارفعوا من شأن مواطنيكم. زيدوا الرواتب بما يحفظ كرامة الإنسان المصري… وكرامة الأطباء الذين هم عماد المنظومة الصحية.
* بهذا النداء الذى وجهه الوزير الطبيب عمرو حلمى ننهى حديثنا برغم أنه قد بدأت بالفعل مسارات الحديث فيما ورد ، كل الشكرسيادة الوزير الطبيب ونتمنى لك مزيدا من العطاء والإبداع فى كل مجال من مجالات حياتكم العامرة