لم يكن صباح ذلك اليوم مختلفًا عن غيره، سوى أنني اضطررت وصديقي باسم إلى ركوب واحدة من تلك السيارات نصف النقل المعدّة من الخلف للركوب — صناديق خشبية على عجلات حديدية، أقرب لعربة نقل مواشي منها إلى وسيلة مواصلات بشرية.
لم أفهم حتى الآن كيف يُسمح لمثلها بأن تتحرك وسط الناس في عام يتفاخر فيه العالم بالتكنولوجيا الذكية، بينما نحن نتعلّق بحديد متآكل من الخلف ونرتجف فوق “دكَّة” خشبية مهترئة كأنها صُمّمت للعقاب لا للجلوس.
صعدنا السيارة من أول الخط. الصعود وحده كان امتحانًا للقوة البدنية والإرادة الحرة، أما الجلوس على المقعد فكان تمرينًا للصبر.
وقفنا في الانتظار، والسيارة لا تتحرك. بدأت أفقد أعصابي، لكن “باسم” — بطبعه الهادئ — كان يحاول تهدئتي كعادته. طلبت من السائق أن نتحرك لأن لدينا موعدًا مهمًا، فردّ بجفاف: “لما العربية تكمّل”.
تساؤل على وجهي، تفسير على وجه باسم: “يعني لما يكتمل عدد الركاب يا صاحبي”.
حبست غضبي وتنفّست.
ثم ظهرت السيدة.
امرأة خمسينية تقف أمام السيارة، وبجانبها فتاة عشرينية هادئة القسمات. مددت يدي للسيدة كي أساعدها في الصعود، لكنها بدلًا من أن تمسك يدي، ناولتني ورقة صغيرة وقالت: “العربية بتروح المكان ده؟”
قرأت العنوان، وهززت رأسي: “أيوه، تفضّلي.”
صعدت بهدوء، ثم لحقتها الفتاة التي جلست في آخر المقعد ونظراتها شاردة في الفراغ، لا تتحرك.
مرت لحظات من الصمت، ثم انحنت السيدة نحوي وهمست: “تعرف أروح كنيسة شبرا إزاي؟”
أجبت مترددًا: “شبرا فيها كنائس كتير… أي واحدة بالضبط؟”
تدخل باسم بسرعة: “يا أمي علشان ما تتوهيش، قولي اسم الكنيسة.”
تغيّر وجه السيدة، وخفضت صوتها وكأنها تنطق بسر خطير: “كنيسة بتفكّ أعمال سفلية… عمل أسود!”
فجأة سقط صمت ثقيل. نظرتُ إليها، ثم إلى باسم. وجهي تشنّج، ولساني جفّ. لا صوت إلا صوت ترديدي الداخلي للمعوّذتين.
فجاء الرد: “لا! الدكتور ما ينفعش… بنتي عليها مارد فرعوني”.
العبارة نزلت عليّ كصفعة مضحكة. حاولت أن أكبت ضحكتي، بينما داخلي يهتف: “مارد إيه يا ستي؟ فرعوني؟ ده إحنا ناقصنا متحف متنقل!”
تسلّلت إلى ذهني نكتة: “طب ما نستخدم الجني ده ونشتغل في التنقيب عن الآثار!” — لكني لم أنطقها، فقد بدأت ألاحظ تغير ملامح وجهها. صار وجهها كأنما ينقلب إلى وجه آخر، به لمحات من زمن غابر، رتوش مصرية قديمة، عينان تحملان قِدم الأسرار، وشفاه لا تعرف الابتسام.
صمتُّ، لا خوفًا، بل حذرًا.
وبعد لحظة استعدت فيها بعض الجرأة، قلت: “طيب يا ستّي، جربتِ المشايخ؟”
قالت، وكأنها لفظت جملة مأساوية: “ولا شيخ عرف يعمل حاجة”.
حمدت ربي أن سيدة أخرى صعدت إلى السيارة فانتقلت قليلًا لأجعلها حاجزًا بيني وبين صاحبة المارد الفرعوني.
أخيرًا، اكتمل عدد الركاب، وانطلقت السيارة في ارتجاجاتها المعتادة، تصفعنا الحديدات من فوق ومن خلف، بينما “باسم” يبتسم دائمًا، كأنه لا يشعر بشيء، أو كأن هذه الرحلة نزهة فوق نهر النيل.
وحين نزلنا في محطتنا، التفتّ خلفي أتأمل من تبقى، دون أن أعرف:
هل المارد الفرعوني نزل قبلنا؟ أم أنه بقي في السيارة مع الركاب الجدد؟ أم أنه… كان معنا منذ البداية؟