مدير التحرير —- يكتب
عجبتُ أشد العجب وأنا أطالع بعض الدروس والمقررات الدراسية بمراحل التعليم المختلفة، وموطن العجب تخطى طبيعة الموضوعات التي تتضمنها، إلى طريقة صياغتها وأسلوب بنائها، حتى بدا لي أن بعض النصوص قد كُتبت أو صيغت بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها تطبيقات توليد النصوص
وإننى هنا لست بصدد إطلاق أحكام جزافية، وإن كنت أملك دليلاً قاطعًا على أن نصوصًا بعينها قد أنتجها الذكاء الاصطناعي، وتستطيع عين الناقد المدقق أن تلمح في بعض هذه النصوص سمات وقوالب لغوية متكررة، وصياغات نمطية تكاد تكشف عن نفسها، بما يستدعي التوقف والمراجعة والتساؤل
وحديثى هنا لا يتعلق بالذكاء الاصطناعي في حد ذاته، فمن المؤكد أنها هذه التقنية أصبحت واقعًا لا يمكن تجاهله، وأداة يمكن أن تقدم خدمات هائلة في التعليم والبحث والكتابة إذا أُحسن استخدامها،
حديثى هنا يتعلق بكيفية توظيف هذه التقنية، والحدود التي ينبغي أن تقف عندها داخل العملية التعليمية.
والسؤال الأكثر إلحاحًا:
هل أسلمنا بعض مناهجنا التعليمية لسطوة التقنية الحديثة إلى الحد الذي يمكن أن يهدد روح الإبداع الإنساني وكذا حيوية النص؟
يجب أن نسلم بداية أن الكتاب المدرسي يتعدى كونه مجرد مجموعة من المعلومات المرتبة في صفحات،
لأن النص التعليمي ليس كلمات متجاورة تؤدي معنى محددًا فحسب؛ لكنه فى حقيقة الأمروسيلة لصناعة عقل الطالب وذائقته اللغوية وقدرته على التفكير والتأمل والتخيل والنقد ،
فما بالنا حين تصبح الصياغة نمطية متشابهة، وتغلب على النصوص قوالب جاهزة ومكررة،
هنا نكون أمام قضية تستحق الدراسة، لأن التعليم يسمو على كونه عملية إنتاج نصوص متشابهة، فهو مساحة رحبة لصناعة العقول وإطلاق الخيال وتنمية ملكة الإبداع
وهنا نجد أنفسنا أمام أمر خطير وجلل :
إذا كان بعض واضعي المناهج قد استعانوا بالذكاء الاصطناعي في صياغة أجزاء من المحتوى،
كيف سيكون موقف طلابنا من هذه التقنية؟
هل سنطالب الطالب بأن يكتب ويبدع ويفكر بنفسه، بينما نقدم له نحن نصوصًا قد تكون صيغت آليًا؟
ونحن نتفق على أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون شريكًا مفيدًا للمعلم والطالب والباحث، أما الخطورة فتكمن فى أن يتحول إلى بديل عن العقل البشري أو عن الكاتب والمبدع والمتخصص. ومن ثم،
فالقضية تتعدى فكرة الاستعانة بالذكاء الاصطناعي، إلى ضرورة وضع آليات الاستعانة به وحدودها ومنهجيتها.
فأين نحن من الإجابة عن كم هائل من الاستفسارات يأتى فى مقدمتها
– فهل لدينا قواعد واضحة تحدد متى وكيف يمكن استخدام هذه التقنيات في إعداد المناهج والكتب المدرسية؟
– وهل توجد مراجعة بشرية متخصصة للنصوص التي يُستعان فيها بأدوات الذكاء الاصطناعي؟
– من المسؤول عن ضمان سلامة اللغة ودقة المحتوى وملاءمته للمرحلة العمرية والهدف التربوي؟
أسئلة كثيرة تفرض نفسها، ولا أعتقد أن تجاهلها هو الحل.
ومن هنا، أرى أن من الضروري أن تخضع كتب ومناهج اللغة العربية ، بمختلف مراحلها الدراسية، لمراجعة لغوية وتربوية دقيقة،
وأخص موضوعات القراءة والنصوص التي تتضمنها الكتب في المرحلتين الابتدائية والإعدادية كمثال، للتأكد من أن النصوص المقدمة لأبنائنا تتمتع بالثراء اللغوي والتنوع الأسلوبي والروح الإنسانية التي يحتاجها الطالب في هذه المراحل
ولا يظن متوهم أننى أدعو إلى إقصاء الذكاء الاصطناعي من العملية التعليمية، على العكس؛ علينا أن نتعلم كيف نستفيد منه، بشرط أن تكون فى إطار من الوعي والضوابط، لتكون أداة في يد الإنسان، لا بديلًا عن الإنسان.
السادة الأفاضل.. علماء التربية وأساتذة المناهج والمتخصصون في اللغة العربية: نظرة إلى مناهجنا التعليمية.. ومراجعة لما بين دفتي كتبنا.. وإبداء للرأي والمشورة
ختاما فإن القضية أكبر من مجرد صياغة نص هنا أو فقرة هناك؛ إنها تتعلق بما نضعه اليوم بين يدي أبنائنا، وبالصورة التي نريد أن يكون عليها عقل الطالب المصري غدًا.
ولعل السؤال الذي يستحق أن نبدأ به هو:
كيف نستفيد من الذكاء الاصطناعي دون أن نسمح له بأن يقتل الإبداع؟
مدير التحرير
هشام صلاح