كم هو مؤلم أن يتحول صوت طالما منحنا الدفء، وأدخل البهجة إلى قلوبنا، وكان جزءًا من ذاكرة المصريين ووجدانهم، إلى صوت يشكو قسوة الحياة وضيق الحال بعد سنوات طويلة من العطاء!
إنها حكاية الإذاعي الكبير رضا عبد السلام، رئيس الإذاعة المصرية الأسبق، الذي ارتبطت به أجيال من المستمعين، وعرفوه صوتًا مميزًا يحمل إليهم الكلمة الراقية، والمعنى النبيل، والقيم الأصيلة، فإذا به اليوم يخرج إلى المعاش ليواجه واقعًا صعبًا، وفق ما عبّر عنه في شكواه التي تستحق أن نتوقف أمامها طويلًا.
رضا عبد السلام.. صوت أسعد المصريين، فمن ينصفه اليوم؟
لقد كان هذا الإذاعي الكبير واحدًا من أبناء المدرسة الإذاعية التي منحت الإعلام المصري مكانته، تلك المدرسة التى أثبتت أن من يعتقد أن الصوت مجرد نبرة عابرة مخطىء لآنه رسالة ووعي وثقافة وأمانة.
كم أشجانا بصوته الرخيم ! ، وكم صحونا على تغريد صوته !،
مقدم لبرامج الإذاعة الخارجية، أو يحاور ضيفًا، أو ينقل إلينا نفحات من القيم والآداب والتعاليم الإسلامية، في أداء إذاعي يجمع بين التمكن المهني ورقي الكلمة وصدق الرسالة.
على مدار سنوات عمله، تخطى بإيمانه برسلته أنه مجرد موظف يؤدي واجبًا وظيفيًا، لكن صاحب رسالة، وأحد الأصوات التي أسهمت في تشكيل الوجدان الإذاعي للمصريين، حتى وصل إلى رئاسة الإذاعة المصرية، بما تحمله هذه المسؤولية من قيمة ومكانة.
المفارقة المؤلمة أن تنتهي رحلة العطاء الطويلة بشكوى من قسوة الظروف، بدلًا من أن تكون بداية مرحلة من الراحة والطمأنينة، يستريح فيها الجسد بعد أن أدى رسالته، ويجد فيها الإنسان ثمار سنوات عمره التي أنفقها في خدمة وطنه
فقد تحدث رضا عبد السلام، في شكواه المنشورة، عما يواجه بعد إحالته للمعاش ومعاناته لعدم حصوله على مكافأة نهاية الخدمة، وعن معاشه الذى لايكفي متطلبات الحياة، فضلًا عن معاناته المتعلقة بالحصول على العلاج.
هنا ينبغي ألا نتعامل مع الأمر باعتباره شكوى شخصية لإعلامي كبير فحسب، لكن باعتباره جرس إنذار يلفت الأنظار إلى قضية أصحاب المعاشات، الذين قد يجد كثيرون منهم أنفسهم أمام معادلة قاسية:
دخل محدود، وأعباء معيشية متزايدة، واحتياجات صحية لا تنتظر
فإذا كان هذا هو حال صوت إذاعي بحجم رضا عبد السلام، الذي تولى رئاسة الإذاعة المصرية،
فكيف يكون حال أصحاب المعاشات الذين لا يملكون منبرًا يعلنون منه معاناتهم، ولا يعرف أحد عنهم شيئًا؟
حكومتنا الرشيدة ، إن قضية أصحاب المعاشات أكبر من أن تختزل في أرقام تُعلن أو زيادات تُحسب، فهي قضية كرامة إنسانية ووفاء وطني.
هؤلاء هم الذين أفنوا سنوات عمرهم في ميادين العمل، وضربوا أروع الأمثلة في الإخلاص والانضباط والتفاني، واقتُطعت أجزاء من دخولهم على مدار سنوات خدمتهم لتكون سندًا لهم عندما تنتهي رحلة العمل.
ومن ثم، فإن المعاش ليس منحة من أحد، ولا فضلًا تمنحه جهة أو تحجبه، وإنما حق أصيل، يستند إلى ما دفعه صاحبه من أموال، وإلى ما قدمه من جهد وعطاء طوال سنوات خدمته
لقد عمل هؤلاء في صمت، وتحملوا المسؤولية، وقدموا للوطن عصارة شبابهم وخبراتهم، ولم يكن ينتظر أحدهم عند بلوغ سن المعاش أن يبدأ رحلة جديدة من القلق على الطعام والعلاج واحتياجات الحياة الأساسية.
* مصرنا .. رفقًا بأصحاب المعاشات، ورفقًا بمن صنعوا تاريخ مؤسساتك، وكانوا يومًا منارات في ميادين عملهم!
إن شكوى الإذاعي الكبير رضا عبد السلام تستحق أن تجد طريقها إلى المسؤولين، وأن تُراجع الجهات المختصة ما أثاره بشأن مستحقاته وضعه التأميني والمعيشي والصحي وفقًا للقواعد المنظمة،
* كما نأمل أن تكون هذه الشكوى مدخلًا لإعادة النظر في أحوال أصحاب المعاشات بوجه عام، والعمل على تحسين دخولهم، وتسريع صرف مستحقاتهم، وتوفير رعاية صحية تليق بسنوات عطائهم، حتى لا يصبح الانتقال إلى المعاش بداية لمعاناة جديدة.
إن الوفاء الحقيقي لا يكون بتكريم الإنسان في احتفال، أو الإشادة بتاريخه في مناسبة، ثم تركه يواجه أعباء الحياة وحده؛
التكريم الحقيقى بصون كرامته، وضمان حقوقه، وتوفير حياة كريمة له حين يحتاج إلى من يرد إليه بعضًا من جميل سنوات عمره.
مصرنا الحبيبة.. هؤلاء أبناؤك، وهذه أعمارهم التي أنفقوها في خدمتك، وهذه أموالهم التي ادخروها لتكون عونًا لهم في شيخوختهم.
* فهل آن الأوان أن تنظري إليهم نظرة أمٍّ رحيمة، تسمعي شكواهم، وتخففي آلامهم، وتعيدي إليهم الشعور بالأمان؟
ووطننا الحبيب —- رفقًا بأصحاب المعاشات
فمن أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن، يستحقون أن يجدوا الوطن سندًا لهم عندما تضعف الأجساد، وتثقل الأعباء، وتحتاج النفوس إلى الوفاء.
حفظ الله مصر وأبناءها، وجعل الوفاء لأهل العطاء حقًا أصيلًا، لا شعارًا يُرفع، ولا أمنية تنتظر من يحققها.