مدير تحرير — يكتب
مفاجأة ! في الوقت الذي تتطلع فيه جموع المعلمين و العاملين بالمنظومة التعليمية إلى قرارات تحقق لهم قدراً من الإنصاف والتقدير المادي والمعنوي،
يأتي الحديث عن زيادة حافز الجودة أو ربط الاستحقاقات المالية بمنظومة الجدارات،
طرح هذا الربط عددا من القضايا والتساؤلات المشروعة !
نعم هى قضية تستحق التوقف أمامها طويلاً، وتتجاوز حدود الزيادة المالية وقيمتها إلى جوهر أكثر أهمية، يتعلق بمعايير الاستحقاق وآليات التقييم وضمان العدالة بين المعلمين.
تتفق جميع الأطراف من حيث المبدأ على أن تقدير الجهد وتحفيز الكفاءات ومكافأة أصحاب الأداء المتميز هدفاً مشروعاً، وتحتاج إليه المؤسسات التعليمية والإدارية من أجل تحقيق التطوير والارتقاء بمستوى الخدمة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه:
كيف نضمن أن يصل هذا التقدير إلى مستحقيه الحقيقيين؟ ومن يضع معايير التقييم؟ ومن يراقب تطبيقها؟
ومن يفصل في حالات الاختلاف والتظلم؟ ———-هنا تكمن المشكلة الحقيقية.
بصرف النظر عما أعلن من شروط الاستحقاق لكن معظمها بيد المسؤول لذا نطرح القضية :
*معايير بيد المسؤول.. وأبواب مفتوحة للاجتهادات الشخصية !
” إن ربط الحصول على الحافز أو استحقاقه بمعايير يملك مدير المدرسة أو المسؤول بالإدارة التعليمية أووحدة قياس الجودة مساحة واسعة في تقديرها، يضعنا أمام إشكالية إدارية بالغة الحساسية؛
ألا وهى اتساع مساحة التقدير الشخصي، واختلاف وجهات النظر من مسؤول إلى آخر، ومن مؤسسة إلى أخرى، وقد تتباين فرص الاستحقاق بين عاملين يؤدون المهام نفسها، ويبذلون جهداً متقارباً. وعندما يغيب التحديد الدقيق للمعايير،
تصبح سلطة التقييم مرتبطة بانطباعات المسؤول وتقديره الشخصي، فإننا نفتح الباب أمام احتمالات المحسوبية والوساطة والمجاملة والميل والهوى،
هذا يضع العاملين أمام واقع قد يشعر فيه البعض بأن الحصول على حقوقهم يرتبط بمدى رضا المسؤول عنهم، أكثر من ارتباطه بحجم الجهد المبذول وكفاءة الأداء.
* وهنا مكمن الخطورة؛
فالحافز الذي يفترض أن يكون وسيلة للتشجيع والتحفيز قد يتحول إلى مصدر للجدل والاحتقان داخل بيئة العمل، وتبدأ المقارنات والتساؤلات والاعتراضات، وربما تتسع دائرة الخلافات بين الزملاء، وتتأثر العلاقات المهنية والإنسانية داخل المؤسسة.
**حجر الرأي.. عندما يصبح التقييم وسيلة للضغط
! وثمة جانب آخر لا يقل أهمية، يتعلق بحرية الرأي داخل المؤسسات التعليمية والإدارية. فحين ترتبط بعض المزايا المالية بتقييم يملك المسؤول سلطة مؤثرة في تحديده، دون ضوابط رقابية كافية،
هنا قد يشعر الموظف بأن إبداء رأيه أو الاعتراض على قرار إداري أو المطالبة بحقوقه يمكن أن ينعكس على تقييمه واستحقاقه.
وهنا نكون أمام خطر حقيقي
يهدد مناخ العمل، ويضعف روح المبادرة، ويجعل البعض يفضل الصمت والمجاملة تجنباً للدخول في خلافات قد تكون لها انعكاسات على مستحقاته المالية
يجب أن نؤمن بإن المؤسسات الناجحة تحتاج إلى موظف يمتلك القدرة على المبادرة وإبداء الرأي والنقد الموضوعي،
تحتاج إلى مسؤول يتقبل الاختلاف ويحترم الرأي الآخر،
وتلك هي البيئة التي تصنع الجودة الحقيقية. الجودة والجدارات..
** معايير للإنصاف أم مساحة للتقدير الشخصي؟
إذا كنا نتحدث عن الجودة والجدارات، فإن أولى قواعدهما الموضوعية والشفافية وقابلية القياس.
فالجودة بمفهومها الصحيح ليس وضع استمارات تقييم أو منح درجات،
الجدارة لا تثبت بمجرد توقيع مسؤول أو تقرير إداري؛
الجدارة تحتاج إلى مؤشرات واضحة، وأدلة موثقة، ومقاييس معلنة يعرفها الجميع قبل بدء التقييم.
إذا فمن حق كل معلم أن يعرف:
ما المطلوب منه تحديداً؟ وما المعايير التي سيحاسب على أساسها؟
وكيف يتم احتساب درجات التقييم؟
وهل تطبق المعايير ذاتها على الجميع؟ وهل توجد جهة محايدة يمكن الرجوع إليها عند الشعور بوجود ظلم أو تعسف؟
هذه الأسئلة تمثل الحد الأدنى من ضمانات العدالة، وتستوجب إجابات واضحة من الجهات المسؤولة.
رسالة إلى الجهات المعنية..
العدالة تبدأ من وضوح القواعد إننا نطالب بوضع منظومة تقييم موحدة، تتضمن معايير موضوعية قابلة للقياس، وتحدد الأوزان النسبية لكل عنصر من عناصر التقييم، مع توثيق الأداء الفعلي، وإتاحة حق الاطلاع على نتائج التقييم، وفتح باب التظلم أمام لجنة مستقلة عن الجهة التي أصدرت التقييم. كما ينبغي وضع ضوابط تمنع تضارب المصالح، وتحد من الانفراد بالقرار، وتضمن خضوع جميع العاملين للقواعد ذاتها، بعيداً عن العلاقات الشخصية أو الحسابات الإدارية
. فالحديث عن الجودة والجدارات ينبغي أن يقترن بضمانات حقيقية تحقق العدالة، وتحفظ كرامة العاملين، وتصون حقهم في إبداء الرأي، وتمنع تحول التقييم إلى أداة للضغط أو المجاملة
. كلمة أخيرة —- نحن مع الحوافز لتحسين الوضع المادى للمعلمين ومع تطوير منظومة التقييم،
ومع مكافأة المتميزين وأصحاب الكفاءات، لكن يجب توافر فرصة عادلة في التقييم
. إن العدالة الإدارية تبدأ من معيار واضح، العدالة هي الضمانة التي تمنح هذه المنظومة مشروعيتها وثقة العاملين فيها.
ويبقى السؤال الذي نضعه أمام المسؤولين:
هل نريد منظومة حوافز وجدارات تفتح أبواب التميز أمام الجميع، أم منظومة تتسع فيها سلطة التقدير الفردي، فتفتح أبواباً للمحسوبية والوساطة وحجر الرأي؟ إ
العدالة لا تقبل الانتقائية!
مـــــــــدير التحــــــــرير
هشـــــــــــــــــام صــلاح