بقلم هشام صلاح
لم تعد الكلمة مجرد أداة للتعبير، بل تحوّلت في زمننا هذا إلى سكينٍ يُشهر في الوجوه بلا تردّد، ويُغرس في الظهور بلا رحمة، تحت لافتات زائفة من حرية الرأي وجرأة الطرح
. نعيش اليوم حالة فوضى لغوية غير مسبوقة؛ فكل من امتلك هاتفًا ظنّ نفسه صاحب قضية، وكل من كتب سطرًا اعتقد أنه يؤدي رسالة،
بينما الحقيقة أن كثيرًا من الكلمات التي تُقال لا تُصلح، بل تُفسد، ولا تُنقذ، بل تُحرّض وتُشوّه
. المشكلة ليست في الاختلاف، فالاختلاف سنة كونية، لكن الأزمة الحقيقية تكمن في طريقة إدارة هذا الاختلاف. حين يتحوّل النقاش إلى تشهير، والنقد إلى سبّ، والرأي إلى اتهام، نكون قد فقدنا المعنى الحقيقي للكلمة، وسمحنا لها أن تنقلب علينا
. الأخطر من ذلك أن البعض يختبئ خلف شعارات براقة؛ فيدّعي الدفاع عن القيم وهو يهدمها، ويتحدث عن الأخلاق وهو أول من ينتهكها.وينسب لنفسه محاربة الفساد وهو منبعه
وهنا يصبح الصمت أكثر شرفًا من كلامٍ لا يعرف صاحبه تبعاته. لسنا بحاجة إلى مزيد من الأصوات العالية، بل إلى ضميرٍ واعٍ يدرك أن الكلمة مسؤولية، وأن ما يُكتب اليوم قد يُدمّر إنسانًا أو مجتمعًا غدًا. فليس كل ما يُقال يُكتب، وليس كل ما يُكتب يُنشر، وليس كل ما يُنشر يستحق أن يُدافع عنه
. إن مجتمعات لا تحترم الكلمة، لن تحترم الإنسان. ومجتمعات تستهين بتأثير الحروف، ستدفع ثمن ذلك فوضى في القيم، واضطرابًا في الوعي، وتشويهًا للحقيقة.
في النهاية، لسنا مطالبين بأن نكون ملائكة، لكننا مطالبون – على الأقل – أن نكون مسؤولين.
فالكلمة إما أن تكون جسرًا يعبر بنا نحو وعيٍ أرقى، أو سكينًا يترك جرحًا لا يندمل. والاختيار… لا يزال بأيدينا.