ترى هل بات الإعلام يغلب منطق المشاهدة وتسليع الحقيقة ؟
ترى هل بات الإعلام يحول الألم الإنسانى مادة استهلاكية ؟
الحقيقة الراسخة أنه لم يكن الإعلام يومًا مجرد ناقلٍ للخبر، بل كان – في جوهره – ضميرًا عامًا، ومرآة تعكس وعي المجتمع أو تكشف هشاشته. لكن ما نشهده اليوم يطرح سؤالًا مؤلمًا:
هل ما زال الإعلام يؤدي رسالته، أم أنه انزلق إلى دائرة الضجيج؟
في زمن السرعة، تحوّل السبق الصحفي عند البعض إلى سباقٍ بلا ضوابط، وغابت القاعدة الذهبية: ” الدقة قبل السرعة.”
لم يعد الخبر يُراجع، ولا المعلومة تُمحّص، بقدر ما صار المهم أن تُنشر أولًا، حتى وإن كانت ناقصة أو مشوّهة أو بلا مصدر موثوق
. الأخطر أن بعض المنصات لم تكتفِ بنقل الواقع، بل بدأت في صناعته؛ تضخّم حدثًا عابرًا، وتتجاهل قضية جوهرية، وتعيد ترتيب الأولويات وفق منطق المشاهدة لا المصلحة العامة.
وهنا يفقد الإعلام حياده، ويتحوّل من سلطة رقابية إلى أداة توجيه. لسنا ضد الاختلاف في الرأي، ولا مع إعلامٍ ملوّن بلونٍ واحد، لكننا ضد تسليع الحقيقة، وضد تحويل الألم الإنساني إلى مادة استهلاكية، وضد خلط الرأي بالخبر حتى يتيه القارئ ولا يعود قادرًا على التمييز
. الإعلام المسؤول لا يحرّض، ولا يشهّر، ولا يبني شهرته على هدم الثقة.
الإعلام الحقيقي يعرف أن الكلمة أمانة، وأن الصورة شهادة، وأن الصمت أحيانًا أصدق من ضجي
. إن المجتمعات التي تفقد ثقتها في إعلامها، تفقد جزءًا كبيرًا من توازنها. فالإعلام إما أن يكون شريكًا في بناء الوعي، أو شريكًا في تعميق الفوضى. ولا منطقة وسطى بين الاثنين
. في النهاية، لسنا بحاجة إلى إعلامٍ أعلى صوتًا، بل إلى إعلامٍ أعلى مسؤولية؛ إعلامٍ يعرف أن كل خبر يترك أثرًا، وكل عنوان يصنع رأيًا، وكل كلمة قد تُنقذ وعيًا… أو تُضلّه. والاختيار، مرة أخرى، ليس في يد الجمهور وحده، بل في يد من يملكون الكلمة… ويعرفون قيمتها.