في هذا الحوار الخاص مع «الشاهد المصري»، نصحب الدكتورة دينا القمحاوي في جولة داخل أروقة روايتها، نتعرف على الدوافع التي قادتها إلى كتابة «أرض الدراويش»، وأبرز القضايا التي شغلتها أثناء العمل عليها، وانعكست خبرتها الإنسانية والمهنية على شخصيات الرواية وأحداثها، كما نتوقف عند رؤيتها لمستقبل الرواية العربية، وعلاقتها بالقراءة والكتابة، وما تعد به قراءها من مشروعات إبداعية جديدة.
** دكتورة دينا، أهلاً بحضرتك و أسرتك الكريمة ضيفة على موقع وجريدة الشاهد المصري.
بدايةً،
* نود أن نعرف: الدكتوراه الخاصة بحضرتك في أي تخصص؟
” أنا صيدلانية، من دفعة 1990.
**: هل وجدتِ بالفعل علاقة بين دراسة الصيدلة والأدب؟
” العلاقة ليست مباشرة، لكن دراسة الصيدلة ساعدتني كثيرًا في ترتيب الأفكار، وفي النظر إلى الأمور بطريقة علمية ومنظمة. كل مجال يخدم الآخر بطريقة ما، وهذا انعكس على أسلوبي في الكتابة؛ فأنا لا أحب الإطالة أو التكرار، وستجد في رواياتي دائمًا عبارات قصيرة تعبّر عن أفكار عميقة، وهذه هي الطريقة التي أفضلها.
“أرض الدراويش” هي أول رواية لي، وليست آخر أعمالها، لأن النسخة الحالية هي إعادة نشر للرواية. كنت قد نشرتها أول مرة مع دار المعارف، ثم انتقلت جميع كتبي إلى دار “أكتب”، التي طلبت إعادة نشر الرواية. والحقيقة أنها مبنية على تجربة حقيقية مررت بها. صحيح أن شخصيتي لا تطابق شخصية البطلة، وأن كثيرًا من الأحداث من وحي الخيال، لكنني بالفعل عشت هذه الرحلة الصوفية وتأثرت بها كثيرًا، فأردت أن أعبر عنها في رواية. حتى وصف الأماكن والمشاعر جاء كما رأيته وعشته على أرض الواقع.
** هل جاء هذا التأثر نتيجة قراءات، أم بتأثير شخصية معينة؟
” لا، أنا قمت بهذه الرحلة بنفسي، وكان للمكان تأثير روحاني شديد عليّ، فتأثرت بروحانياته، ومن هنا جاءت الرواية. المكان نفسه كان مصدر الإلهام.
** هل نستطيع أن نقول إن شخصية البطلة “أميرة” تمثل تجربة إنسانية عامة، أم أنها تعبر عن جانب خاص من شخصية الكاتبة؟
” أميرة تمثل النفس البشرية بكل تقلباتها؛ مخاوفها، وحزنها، وغضبها، ومحاولتها الارتقاء بنفسها. الإنسان يحاول دائمًا أن يسمو بروحه، لكن هذا لا يحدث بسهولة، بل يحتاج إلى مراحل وجهد وتعب. لذلك فأميرة ليست شخصًا بعينه، وإنما حالة إنسانية موجودة داخل كل واحد منا.
** فكرة التصوف حاضرة بقوة في الرواية. هل ترين أن التصوف يمكن أن يكون مدخلًا للرواية؟
” لديّ أكثر من رواية تقوم على هذه الفكرة، مثل “ذهب مع القدر” و”شيخ ومريدون”. لكنني لا أشرح التصوف كعلم، وإنما أقدم روحه الحقيقية، وأحاول تصحيح الصورة الذهنية عنه، لأن هناك صورة خاطئة ترسخت في أذهان الناس. البعض اختزل التصوف في الموالد أو المظاهر، بينما هو في الحقيقة حالة وجدانية، وارتقاء بالنفس والروح، ونقلة بالإنسان إلى مستوى آخر. لذلك أحاول أن أُظهر صورته الحقيقية.
** بناءً على ذلك، هل تعتقدين أن الإعلام ساهم في ترسيخ الصورة الخاطئة عن التصوف، باعتباره حالة من الغياب عن الواقع؟
” نعم، إلى حد كبير. الدراما تناولت شخصية الدرويش بطريقة معينة، وهو ما رسّخ صورة ليست هي الحقيقة. في “أرض الدراويش” تناولت الشخصية بشكل درامي يخدم الرواية، لكن الدرويش في الواقع أخذ صورة ذهنية بعيدة عن حقيقته.
** الرواية الروحية، وما تعالجه من قضايا، هل ما زال لها جمهور في ظل انتشار الرواية الاجتماعية والتشويقية؟
” بالتأكيد. ربما لا يكون جمهورها هو الأكبر، لكنه موجود دائمًا. فكما أن هناك من يحب الرواية البوليسية أو العاطفية، هناك أيضًا من يبحث عن غذاء للروح، وهذا النوع من القراء سيظل موجودًا.
** بعد صدور الطبعة الأولى من الرواية، كيف كان استقبال النقاد لها؟ وما كان رد فعلك؟
” سأقول لحضرتك شيئًا. “أرض الدراويش” كانت أول رواية أكتبها، ونجحت نجاحًا كبيرًا جدًا، حتى إنني لم أكن أتوقع ذلك إطلاقًا، خاصة أن أسلوبها كان بسيطًا جدًا. بعد ذلك طورت نفسي وأصبحت أكثر انتقائية في الكتابة، لكن هذه الرواية خرجت من روحي مباشرة، ولذلك وصلت إلى الناس. كانت الطبعة الأولى من دار المعارف، ثم فوجئت بإقامة ندوة كبيرة جدًا عنها في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2019، وما زالت الندوة موجودة على “يوتيوب”. بالنسبة لي كان الأمر غير متوقع إطلاقًا، لأنني كنت أخوض تجربتي الأولى، لكن يبدو أن ما خرج من القلب وصل إلى القلوب.
** ماذا تمثل الكتابة بالنسبة لك؟ هل هي رسالة أم مجرد شغف؟
” الحقيقة أنني لم أبدأ الكتابة إلا عامي 2017 و2018، وكان عمري وقتها 48 عامًا، بعد أن عملت في مجال الصيدلة لمدة خمسة وعشرين عامًا. لم يكن في حساباتي أبدًا أن أكتب أو أنشر رواية. الكتابة جاءت فجأة، ودخلت حياتي، ثم اكتشفت أنها متعتي، والأهم أنها رسالتي في الحياة. حتى في “أرض الدراويش” تحدثت عن فكرة أن الإنسان قد يبحث طويلًا عن رسالته في الحياة ثم يجدها في وقت لم يكن يتوقعه. أعتقد أن الكتابة جاءتني في التوقيت المناسب، بعدما كبر الأولاد وأصبحت أملك الوقت الكافي.
** إذن تنصحين الإنسان دائمًا بأن يبحث داخل ذاته عن الجوانب الخفية في شخصيته؟
” بالطبع، وألا يقول أبدًا: فاتني العمر أو لن أجد شيئًا. العمر لا يقف عائقًا أمام اكتشاف الذات. قد يفاجأ الإنسان بأنه يمتلك موهبة لم يكن يتخيلها. أنا شخصيًا، قبل الكتابة بأشهر قليلة، لم يخطر ببالي يومًا أنني سأكتب رواية.
** بحكم تجربتك، ما النصيحة التي تقدمينها للشباب الذين يبدأون طريق الكتابة؟
” أهم نصيحة هي القراءة. هناك مقولة أؤمن بها جدًا: “اقرأ أكثر مما تكتب.” القراءة هي التي تصنع الكاتب الحقيقي. هناك كتب أقرأها منذ صغري، وأعود إليها اليوم فأكتشف فيها معاني جديدة في كل مرة. العمل الجيد يبقى ويستمر.
** على المستوى الأسري، هل كان للزوج دور في تشجيعك على الاستمرار في الكتابة؟
” نعم، إلى حد كبير. عندما وجد عندي الرغبة والشغف بالكتابة، كان داعمًا لي، وشجعني كثيرًا، والحمد لله.
** وهل لدى أحد من الأبناء الموهبة نفسها؟
” لا، ليس في الكتابة حتى الآن، فهم مشغولون بدراستهم وحياتهم، لكن ابنتي تحب القراءة، وهذه هي الخطوة الأولى، وبعدها قد تأتي الكتابة، الله أعلم
. ** في ختام اللقاء، ما أبرز مشروعاتك الأدبية القادمة؟
” أعمل حاليًا على رواية جديدة، وأسعى إلى الانتهاء منها خلال شهرين أو ثلاثة، بإذن الله، وأتمنى أن تنال إعجاب القراء
. ** كلمة أخيرة تحبين توجيهها ؟
” أشكركم على حسن الاستضافة، وسعدت جدًا بهذا اللقاء، وأتمنى لكم كل التوفيق، وأن نلتقي دائمًا في أعمال وفعاليات ثقافية متميزة.
ونحن أيضًا نشكر حضرتك على سعة صدرك، ونتمنى لك دوام النجاح والتألق، وإلى لقاء قريب بإذن الله.مع إبداعات جديدة وتميزأكثر وأكثر