متابعة :لسعد الحرزي مدير مكتب تونس هو رجل تعليم منذ سنوات و هي أمينة أسراره و أفكاره.بلغه أنهم سألوا عنها و ما جاد لهم الفضول جوابا. هو لا يريدها مثارا للأحاديث لكنه لم يغضب منها و لا منهم بتاتا. قيل له أنهم همسوا دون خوف و جهروا دون شجاعة عن تلك التي ترافقه في حله و ترحاله بين أمجاد الوطن و أوجاعه. ذكرها البعض بخير و انهال عليها البقية بقذارات ألسنتهم. لم يعرهم اهتماما رغم أن الأمر لا يستوجب استكانة لم يجدوا لها تفسيرا في قواميس الرجولة. يحملها في أحضانها و يمر امامهم دون خجل . قد يشتمه الكثير و قد يصفق لجرأته البعض و لكن السيل يخلف وراءه دمار صبره حين يسمع أحدهم يطلب له الهداية. ليست جميلة و لا مثيرة و لكنها تدير إليها الرقاب غصبا عنهم. هي غابة بلا أشجار رغم كثافة الأوراق و دندنة الحفيف. تسمع فيها الزقزقة و التغريد و لا ترى العصافير. هي شموخ لا قمة فيه و لا سفح. هي أنهار صامتة رغم السيول الجارفة. هي زمجرة الرعد من رحم اليوم المشرق. هي غيم يكتم شوق الودق لاديم الارض التي أعياها الدوس و الجفاف. هي أحاديث و أناشيد دون حنجرة تزوقها و تنضج لها لحنا مستساغا. هي موسيقى صامتة رغم العزف و العصف و هي الربيع الضاحك رغم الغزير من المطر و الشديد من الجفاف. هي الصيف في عنفوان الصقيع و هي الشتاء عند زمجرة الوهج.قد تكون خضراء كما سكينة العشب. سوداء كما هدوء الليل. زرقاء كما دغدغة الهمس و قد تتخذ من البياض شيبا يزيدها وقارا .المهم هي وردية في نظره كما الوقت الرائق الذي يمضيه في إطعامها.هي صحراء فسيحة بلا رمال تلاعبها الريح. و هي بحر بلا موج رغم الزبد التي ترسمه كل يوم. هي الصاحبة التي يركن إليها كل يوم يستجلي احداثا فارقة بين ثناياها. يهدهدها قليلا كما الأم الرؤوم. يخاف عليها خدش المنضدة و جروح البلاط. يمخرها بدغدغة بسيطة بعربة ابهامه على قضبان شفتيها .لحظات و تهديه إبتسامة فضحك فقهقة فكنوز يحير في انتقاء اثمنها. هي قباب المدينة المطلة على العابرين في ساحات أفكاره التي لا ينهيها سوى الليل. هي آخر من يراها قبل أن يهتف الجفنان نوما و يخمد الجسد و لا يهدأ الشخير. كم تبقى حائرة نظراته أمام وابل الكرم الذي تجود به عليه مع كل إشراقة يوم جديد. تعد له دون ملل وليمة فاخرة داخل منضدتها تجعله رغم الحيرة لا يستعجل البداية. كل الاطباق المرصوفة أمامه تدعوه للمرور عليها جميعا. سيلتهم بعضها و البقية ستلتهمه. هي منضدة بلا ملاعق ترتشف الثريد و لا أشواك تناطح اللحم و لا سكاكين تنحر الثمار . سيأكل بعينيه من مطبخ القراءة و سياكل بقلمه إذا كان الطاهي ماهرا في إعداد وجبات الكتابة. هي منضدة لا صحون فيها تقطف الورد و لا كؤوسا تغرف القبلات. لا أواني تعزف الود و لا أقداح تطلب العناق. هي منضدة تصبح فيها الأوراق أوان و صحونا و أقداحا تتكفل بإيواء تفاصيل الوليمة داخل رقعتها الجغرافية. في أول المنضدة تتراقص أمامه أربعة أصناف من الورق .عذراء تنتظر الفكرة و محصنة ذاقت الفكرة و مطلقة لم تستسغ الفكرة و أرملة ماتت فيها الفكرة. هناك في وسط المنضدة كتاب الدرس الذي سيعينه على صياغة نص صعوده على ركح الأحلام. تلك الأحلام التي يكتبها تلاميذه واقعا يريدونه مزهرا رغم الشوك المسيطر على بوابات الضفاف. الركح و الدرس تركا المجال لامتحان عصارتهما و من ثمة تقييما تنزف أرقامه من قلم أحمر لا يعرف سوى هذه الحرب. قد يكون الصفر مزدانا بالأسى و قد تنعش العشرة و نيف آمالا كادت تتلاشى و قد يبدأ حفل صاخب مع السيدة عشرين. صولاته على المنضدة مازالت مستمرة حين حملته يداه إلى محطتها قبل الأخيرة. تطرح عليه الخيارات بكل ود، إما الصحيفة و الخبر و إما الرواية و السهر. اختيار تحت أنظار قهوة يحتسيها الشغف و على مرأى غمزات عتاة العبث. هي ملجأ القصائد التي تجاوزت مرحلة التمزيق و النصوص التي عبرت جسور الاقتناع داخله. هي الجبل الذي تعلمه الشموخ أمام الحصى. المنضدة مازالت عامرة بالخيرات. تفيض الحروف و تقتلع الأرقام لها مكانا و تكتنز الرموز فرحة النجاح . المعادلات الرياضية و النظريات الفيزيائية و التصميمات التقنية هي أيضا جديرة بمكان راق على المنضدة. كم أنكروا عليه تهافته على مسارب الأدب خصوصا و الثقافة عموما و هو في الأصل تكنولوجي الهوى و التكوين. هي لم تنكر بتاتا هذا التداخل العجيل حسب مفاهيمهم البائسة. بل كانت أول الفاتحين لذراعيها لامتزاج العلم الأدب و رحبت بالجميع في بيتها العتيق… هي ” الكرطابة” التي عانت غضب الأستاذ و دروسه و جنون المثقف و خربشاته. هي التي تحمل داخلها الأمل بغد أفضل. هي التي تشقى من أجل جيل أرقى. هي العزاء لهموم الوطن و هي الزغاريد لافراحه… اليوم يمشي وحيدا دونها. تعالى الهمس في الشوارع يستجلي غيابها عن حضنه. ليست على ما يرام حسب ما بلغهم من أخبار. تعرضت لعملية طعن غادرة استوجب نقلها إلى أقرب اسكافي. هي الآن تحت المراقبة و تجاوزت مرحلة بعد أن خضعت لعملية ترقيع دقيقة .