متابعة:لسعد الحرزي مدير مكتب تونس
العالم التونسي لوكالة” النازا”الدولية الدكتور محمد الأوسط العياري
وأخيرا وبعد زمن طويل تشرفت بلادنا باستضافة “القمّة العربية”، تلك القمة، التي في حقيقة الأمر قد التأمت في ظروف لا يحسد عليها احد، فالأمة العربية تمرّ حاليا بأحلك فترات حياتها التاريخية، بالنظر لأجواء الحروب والصراعات التي ما تزال مستمرّة ولم تر بعد نهاية لها، وانه ومن باب الذكر لا الحصر وجب علينا تذكّر القضية السورية وبالمثل اليمنية والليبية، وكان من المفترض أن تأتي هذه القمة الهامة بحلول ناجعة بل بمواقف مشرّفة حيالها، لكن البيان النهائي والذي عرف ببيان او “إعلان تونس” قد تطرّق بصفة سطحية ولا معمّقة كما لم يتخذ في شانها الموقف الحازم النهائي والمشرّف، وكأنّ بالقادة والملوك والرؤساء العرب بموقفهم المعلن عليه بنصّ البيان ذاته قد تهرّبوا عن مسؤولياتهم الفعلية حيال تلك القضايا، واكتفوا بتكريس ما هو معروف في شانها لدى الرأي العام العربي والدولي، فالبلد الشقيق سوريا ظلّ مقعدها شاغرا بتلك القمة العربية، وقضية اليمن أكد البيان في شانها بضرورة مواصلة الحوار بين السلطة الشرعية والحوثيين مع اعتماد مجهودات المبعوث الاممي في شأنها، كما أكد نفس البيان بضرورة مواصلة مجهودات الأمم المتحدة وممثلها بليبيا وذلك بتقريب وجهات نظر الفرقاء، لغاية إجراء الانتخابات كيفما سطّر لها.
هذا وقد كنّا نعتقد أن هذه القمة ستتخذ موقفا قويا وصارما في خصوص مستجدات هضبة الجولان الأخيرة، بعد أن وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قراره العجيب والغريب. في الآن ذاته والقاضي بضمّ هذه الهضبة الإستراتيجية للكيان الصهيوني، متجاهلا بذلك كل قرارات الأمم المتحدة والمساعي الدولية الرامية كلها إلى استرجاع الدول العربية لأراضيها التي سيطر عليها ذلك الكيان الصهيوني بعد حرب سنة 1967، بما في ذلك هضبة الجولان ومزارع شبعة بلبنان الشقيق وغيرها…
هذا ولئن قد أتى البيان النهائي لجامعة الدول العربية بالموقف المعلن عنه إلا أن ذلك الموقف لم يتطرق إلى ما كانت تتطلع إليه الشعوب العربية قاطبة، والتي كانت تام لان يكون الموقف اشد صلابة ولهجته اشدّ قوة وصرامة، كأن تهدّد الدول المشاركة في هذه القمة بإمكانية قطع علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية في صورة عدم سحب رئيسها لقراره الأخير والأحادي ولموقفه العجيب والغريب والانحيازي، لان في قراره ذاك ضرب للشرعية الدولية بل لكل الأعراف العالمية، واستنقاصا منه لقيمة الدول العربية قاطبة ودون استثناء، تلك الدول التي أحسنت وفادته بالأمس وعند زيارته لها، بل سعت لمساعدة بلاده للخروج من أزمتها الاقتصادية، بعد إبرام عديد الاتفاقات المالية والتجارية والعسكرية معها.
وانه ومع الأسف الشديد يتّضح لنا مرة أخرى ومن جديد أن الولايات المتحدة وقد يكون حلفائها كذلك لا يبادلوننا نفس المعاملة وبالمثل نفس القيمة، ولنقلها بصراحة لا يعطوننا أي وزن ولا قيمة تذكر مثل شاننا معهم، وهذا أمر لم يستفق له العرب جميعا بعد، فمازالت بعض الدول العربية تواصل تملقها وتمرغها بالترات التي ما فتئت تدوسه إقدام الغرب، فتلك الدول لا تزال تصدق أكذوبة “تهديد إيران لها”، وهي أكذوبة ما فتئ الغرب وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية تروجها وتشهرها وترددها وتغذي بها أذهان تلك الدول، وقد اتخذت منها تعلة وعنوانا مبطنا يندرج تحت يافطة “التعاون العسكري والأمني والخبرات” وقد تمثل ذلك خاصة في بعث القواعد العسكرية في عديد الدول الخليجية والتي كانت قد اتخذت منها الولايات المتحدة الأمريكية موطن قدم بها واستعمارا خفيا لها، فضلا عن الصفقات الرهيبة والخيالية لشتى أنواع الأسلحة والعتاد الحربي، وهي ترسانة أرادت الولايات المتحدة التخلص منها بأي ثمن بعد أن أكل عليها الدهر وشرب.
وانه ومن هذه المنطلقات المؤسفة حقا وحقيقة كان على تلك الدول المترنّحة والتي قد وصل بها الحدّ إلى مستوى الشك في قدراتها وفي طاقاتها وبالمثل في مواقفها الخاذلة والجبانة، أن تغتنم فرصة هذه القمة للسعي للمّ شمل الأمة العربية وان تتخذ موقفا مشرفا بل أكثر من ذلك شجاعة وجرأة حيال قضاياها التي ظلت تراوح نفسها مكانها منذ أمد طويل، وظلت بذلك أمتها العربية تعاني منها الأمرين إلى حدّ تاريخ هذه الساعة، فإلى متى ستظل الدول العربية تكدّس الأسلحة الغربية بمخازنها على حساب تنمية حقيقية وواقعية لشعوبها، وهذا في نظرنا عين التخلّف الحقيقي.
ذلك أن الصراع العربي الصهيوني سيظلّ حسب نظرنا قائما إلى ما لا نهاية له، وستظلّ دولة فلسطين تعاني من المواقف المتخاذلة والجبانة لتلك الدول العربية، والتي لم تتخلص بعد ولن تتخلّص مطلقا وحاضرا ولا مستقبلا من تبعيّتها للغرب، وان ما جرى للشقيقة سوريا وما يزال للشقيقة اليمن وبالمثل للشقيقة ليبيا لا تعدّ كلّها مخططات الغاية منها توسعة رقعة النزاعات الصراعات بالحيّز الحيوي العربي للوصول في نهاية المطاف الى مزيد تمزيق خارطة الأمة العربية، والزيادة في إذلال شعوبها بشتى الكيفيات والطرق والفتن والمناورات، وإن أدى الأمر إلى التركيع الجماعي والتجويع القصري والاستغلال الفاحش والمذلّ، وتهجير الشباب والأدمغة، والناس أجمعين، كل ذلك حبّا وكرامة في دولة اسرائيل لا اكثر ولا اقل، لان الجميع لم يدرك حقيقة انّ هذه الدويلة وهذا الكيان لم تكتسح فحسب الرقعة الترابية التي تحتلها بعد قرض مساحات او قرضها لمساحات يمنة ويسرة على حساب السلطة الفلسطينية، بل أنها أكثر من ذلك قد استعمرت واكتسحت العالم بأسره سياسة واقتصادا بما في ذلك الولايات المتحدة ذاتها.
وانه وبالنظر لهذا الاكتساح الجارف والطوفاني فقد فكرت روسيا والصين والهند والبرازيل وإفريقيا الجنوبية في بعث معسكرها الجديد والحديث والمعروف ب،”البريكس” لغاية مكافحة وصدّ ذلك الاكتساح الجائر والذي أن أطلقت له حرية التصرف لسيأتي على الأخضر واليابس بكل إرجاء العالم، وسيشهد العالم من جديد موجات من الاستعمار والاستغلال والأزمات الاقتصادية والمجاعات والبطالة وهلم جرا.
فهل من نهاية قريبة ووشيكة لهذه المتاهات والدوامات والمناورات التي شهدتها ولا تزال تعيش على وقعها امتنا العربية؟ وهل سيستفيق تلك القادة والملوك من الخور الذين يعيشون فيه حاليا، والذي لا يخدم بحال من الأحوال مصالح أي كان منهم حقيقة وواقعا في الوقت الراهن وحتى مستقبلا؟ وهل ستنتهي معاناة شعوبنا التي تتطلع كلها إلى الحاضر والغد الأفضل؟.
انّ ما نعيشه اليوم من ظروف عصيبة وصعبة ليعزى كلّه إلى جبن وخيانة وعمالة بعضنا من الذين اعتادوا وتصنعوا الاستظهار بالمظهر البشوش والحسن وقد جبلوا في حقيقة أمرهم على الطعن من الخلف في مكر ووحشية غادرة.
هذا ومهما كانت أحوالنا وظروف أمرنا الحالي والذي فيه ما فيه، فقد استبشرنا خيرا برجوع الاستقرار بالشقيقة مصر تلك الدولة التي شهدت كحالتنا نحن بعض التقلبات سرعان ما انجلت وانقشعت باعتلاء عبد الفتاح السيسي لسدة حكمها ذلك الرجل الذي اعاد الاعتبار من جديد ولسالف عهدها بذلك وبمكانتها صلب الجامعة العربية وأمتها، ذلك ان الشقيقة مصر كانت ولا تزال وستظلّ صمام الأمان لهذه الأمة التي كانت بالأمس خير امة أخرجت للناس، لكن قادتها وملوكها سامحهم الله تعالى قد أوصلوها لما هي عليه من تأخر ومن تخلف ومن جهل ومن بطالة ومن فقر ومن جوع ومن غياب تم عن تحمل الدور وبالمسؤولية المنتظرة منها داخليا وخارجيا، وان في حضور ذلك الرجل في اللحظات الأخيرة وغير المنتظر ليبرهن بجلاء عن قدرته وشعوره وإحساسه الرقيق بالدور الحقيقي الذي ينبغي ان تقوم به الجامعة العربية وبخطورة الرهانات والتحديات الحافة بها من كل حدب وصوب وبخاصة استجابة منه لإيصال رأيه في شان تطلّعات شعوب امتنا العربية قاطبة، وقد أورد بكلمته الخاصة وفي أكثر من موضع تلميحات كثيرة لمعاناة هذه الأمة ولتطلعاتها الغد الزاهر والأفضل.
هذا وان الأيام القريبة القادمة ستكشف لنا عن مدى صدقية الجامعة العربية ونجاح قمتها هذه وعن مدى تبصّر وحكمة ملوكها ورؤسائها وعن مدى جدوى ونجاعة وجدية “قرار او إعلان تونس”، وعن فاعلية ونتيجة التحركات المنصوص عليها والآتي ذكرها بذلك البيان حقيقة وواقعا، وان غدا لناظره قريب.