للدكتور علي عبد الظاهر الضيفالعامية المصرية في حقيقتها ميراث لغات عدة تحدث بها المصريون منذ فجر التاريخ، فقد تحدث المصريون اللغة الهيروغلوفية والديموطيقية والقبطية، ثم العربية، التي مازال يتحدثها حتى الآن، وقد تخلل هذه اللغات لغات فرعية دخلت في نسيج اللغة الأصلية، نتيجة الغزوات التي تعرّض لها المصريون منذ فجر التاريخ، فقد احتلها الرومان والفرس والإنجليز والفرنسيون، كما أنهم وقعوا تحت حكم المماليك والعثمانيين ممن لم يتحدثوا العربية، كل هذا جعل المصريين يتحدثون بلغة عامية موازية للمستوى الأرقى للفصحى، تعد تلك العامية بوتقة صهرت فيها عدة لغات ولهجات قديمة، وحديثة .
ونحن في مقالنا هذا سنبحر في أعماق الشتائم العامية المصرية لنتعرف أصول تلك الشتائم، التي منها ما يبدأ بــ (ابن …) ومنها ما يبدأ بـ (أم … ) كما أن هناك شتائم خاصة بالنساء وشتائم خاصة بالرجال .
من الشتائم التي تبدأ بابن :
ابن الفرطوس
يستخدم والمصريون عبارة ابن الفرطوس لسب الرجل الماكر المتصف بالخداع، و الفرطوس في اللغة العربية هو أنف الخنزير، ولكن هذا المعنى لم يقصد إذ لو أن هذا المعنى هو المقصود بالسب لوجدنا له صدى في التراث المصري القديم، وكذلك في العاميات العربية التي تأثرت بالعامية المصرية منذ الفتح العربي لمصر، ولكني وجدت الكلمة محرفة من (ابن فلتوس) التي حرفها المصريون إلى ابن الفرطوس .
وتعود قصة المعلم فلتوس إلى زمن حكم محمد علي حيث تهرَّب من دفع الضرائب وادّعى الفقر فتم معاقبته بالجلد حتى وصل إلى 800 جلدة كي يعترف بوجود المال لدي فاعترف أخيرا بأن لديه جزءا من المبلغ المطلوب للضرائب، وعندما فتشوا بيته عثروا على أضعاف أضعاف مبلغ الضريبة، فأخذوا مبلغا كبيرا وتركوا له بقية قليلة من المبلغ فمات بعدها بقليل كمدا وحزنا على ماله، بسبب بخله الشديد .
أما باقى الأموال فقد بحثوا عنها طويلا بعد موته لكن بلا جدوى؛ فقد استطاع (فلتوس) رغم مرضه الشديد وكبر سنه أن ينقل كنزه سرا الى مكان اخر، وتحول اسم فلتوس بعد فترة إلى (فرطوس) فاذا اظهر شخص ما قدرا من الحيطة والحذر و المكر فهو (ابن الفرطوس ) !
ابن الرفضي
تعود هذه السبة إلى فترة حُكم الفاطميين (المنتمين للشيعة الباطنية) لمصر التي كانت تنتمي للمذهب السني، فقد عانى المصريون طويلا من حكم الفاطميين، وتضاعفت كراهيتهم لهم بعد حكم الحاكم بأمر الله الذي فعل بالشعب ما لم يفعله حاكم وكان يسخر من الشعب بأفعاله الغريبة وقراراته الشاذة التي عانوا منها كثيرا قتلا وحرقا وظلما وفقرا، فكان المصريون يعتبرون أي شيعي (رافضياً) ممن يسبون الصحابة، وتطورت الكلمة من رافضي إلى حذف الألف فصارت (رفضي) !
ابن الهرمة
قد يتبارد إلى البعض أن أصل الشتيمة يعود إلى كلمة (هَرِمَة) التي تعني المرأة العجوز ولكن في حقيقة الأمر أن الكلمة ليست سبَّة وكبر السن لا يكون شتيمة، وبعد البحث وجدت أن أصل الكلمة يعود إلى الشاعر “إبراهيم بن هرمة” (80 هـ – 176 هـ)، من شعراء العصر العباسي وهو رغم شاعريته وأحاسيسه الراقية وشهرته بالغزل فقد كان دميم الشكل قصيرا، واشتهر ببخله الشديد، وبحبه الخمر، فأصبح سبّة عند المصريين، فمن يشبه صفاته فهو مثله أي أنه (ابن هرمة) !
ابن الإيه
قد يتبارد إلى البعض أن كلمة الـ (إيه)هي سؤال كأن يقول أحدهم عن شخص لا يعجبه بأنه ابن ال……. ؟ وفي حقيقة الأمر أن الإيه تعود إلى اللغة القبطية القديمة وهي البقرة !
ابن الأرندلي
في حقيقتها هي ابن (القرندلي) المحرفة عن (القلندري) أي المنتسب إلى جماعة (القلندرية) وهم فرقة من الصوفية خرجوا عن المألوف، ولهم أفعال غريبة وشاذة بعيدة عن الفطرة، حيث كانوا يحلقون رؤوسهم ولحاهم وحواجبهم ويتركون شواربهم !
وكانوا يلبسون الطراطير، ويرتدون ملابس غريبة، ويحملون مسبحة ذات ألف حبة! ورغم أنهم من الصوفية الزهاد، فقد كان يلبس بعضهم حزاما مطعما بأحجار كريمة كاللؤلؤ والعقيق، ويمسكون بعصي من أشجار اللوز، فضلا عن أنهم لا يهتمون بالعبادات والفرائض؛ ظنًا منهم أنهم فى معية ربهم ! فاستحقوا أن يكونوا سُبَّة عند المصريين .
أما الشتائم التي تبدأ بأم فهناك :
أم قويق
“أم قويق”، نوع من البوم صغير الحجم له صوت هادىء، ولكنه مستمر، فأم قويق تستطيع أن تصدر صوتها مرات عديدة بشكل متواصل، فأطلقها المصريون على البنت أو المرأة الـ (زنانة) التي لا تتوقف عن الصياح والبكاء والإزعاج !
أم أربعة وأربعين
وهي الحشرة المعروفة باسم أم أربعة وأربعين أو الحريشة وهي سامة إلا أنها غير قاتلة وتطلق على المرأة الشريرة .
أما الشتائم الخاصة بالنساء فهي كثيرة أشهرها ما بدأ بحرف الشين مثل :
شرشوحة
المرأة الشرشوحة في العامية المصرية هي التي تتلفظ بألفاظ نابية، وهي غير مهذبة، ودائما تلجأ إلى العراك، ولا تخجل من إطلاق أبشع الألفاظ للرجال والنساء .
وكلمة شرشوحة من الفعل (شرَح) أي مزق من التشريح، ثم حُرّفت إلى شرشح، فالمرأة الشرشوحة هي التي تمزق العرض وشرف الناس بكلامها .
ولا أستبعد أن يكون أصلها من الكلمة المصرية القديمة (شيرشي) التي تعني (يمزح أو يسخر) فيكون المدلول قد تطور من المزاح الثقيل إلى الشخصية غير المهذبة التي تسخر وتتلفظ بما ينبو عنه اللسان .
شلق
نطلق عبارة (ست شلق) على المرأة الكريهة التي يخشى الناس لسانها البذيء، وتفجر في خصومتها، ولا تتورع عن سب خصومها بأبشع الألفاظ السوقية، ويعود أصل الكلمة إلى الكلمة القبطية (شلاك) أي المط، و الامتداد، و أيضاً التوتر و الانفعال، فتكون (الست الشلق) هي التي تستخدم ألفاظا نابية، و تنَغِّم في صوتها أثناء التلفظ بها !
مايصة
أصلها مايسة ومائسة، ومنها أغنية (قدك المياس يا عمري) لعبد الحليم حافظ ، وجاءت كلمة مايصة تحريفا لكلمة مَائِسَة، وهي المتمايلة، والمتبخترة التي تمشي في خُيلاء، أي التي تتدلل في مشيتها لتثير الإعجاب ولا يُعتَمد عليها في شيء .
أما شتائم الرجال ك (بلط) و (بلطجي) و (عبيط) و(لطخ) و(خرونج) و(نطع) و(بأف) و(جعر) و(كروديا) و (دهل) و(مدهول) و(وشرابة خرج) و(خيخة) و(تنح) و(خلبوص) و(إتم) وغيرها .. فتفصيلها في المقال القادم إن شاء الله .

















