من مراحل النشأة الأولى، وفضل المعلم المصري في تشكيل الوعي الأدبي، إلى رحاب الإبداع وأسئلة الوطن وقضايا الأمة، تمتد رحلة الشاعر البحريني علي النهام، الذي اتسمت قصائده بسمات فنية خاصة، جعلت أحد كبار النقاد يطلق على تجربته وصف «مائية القصيدة عند النهام»،
في إشارة إلى تلك الخصوصية التي تميز عالمه الشعري وتمنحه مذاقه المتفرد.
وفي هذا الحوار مع «الشاهد المصري»، نقترب من محطات رحلته الإبداعية،
نستكشف أثر البدايات في تكوينه الأدبي، ورؤيته لدور الشاعر في التعبير عن قضايا أمته، لتظل القصيدة صوتًا للإنسان ومرآةً لآماله وآلامه.
بداية /
أهلًا بك على هامش ندوتك بملتقى السرد العربي وذلك برعاية أ د حسام عقل والروائية عزة عز الدين .
نحن أمام رحلة طويلة وشاقة، تجمع بين الموهبة الأدبية وكتابة الشعر والتعليم والإعلام والكتابة.
* ضيفنا الشاعر الكبيرعلى النهام حدثنا عن رحلة البدايات؟
*” الشاعر علي النهام : ربما كانت بداياتي مثل بدايات أي شاعر آخر؛
فقد بدأت في المراحل الدراسية الأولى، خلال المرحلة المتوسطة ثم المرحلة الثانوية. وكان لتأثير العائلة الدور الأبرز ، نحن من عائلة علمية بامتياز. كان عمي – رحمه الله – العالم المعروف في المنطقة بأسرها، وكان أبي أيضًا مثقفًا في اللغة، وله باع في تعليم القرآن والفقه والعقيدة. ولذلك نشأنا على حب اللغة العربية.
أما التأثير المحوري في تجربتي مع المدرسين المصريين الذين كانوا يدرّسون في تلك المراحل. أتذكر أن لدينا مدرسًا اسمه أ – مدحت مصطفى، رحمه الله. وقد توفي تقريبًا عام 2008،
لازلت رغم تلك السنوات أتواصل مع أسرته وزوجته التى اعتبرها الأم حتى توفيت عام 2021.
هذا الرجل هو الذي زرع البذرة الأولى في مخيلتي ونفسي. أتذكر أنني كنت أكتب مجرد خربشات طفولية، فكان يأتي أمام ما يقرب من ألف طالب في المدرسة ويقول:
” يا علي، تعال ألقِ القصيدة “
كنت أشعر بسعادة شديدة عندما أُلقي ما أكتبه. وربما كانت تلك هي البدايات الحقيقية لتشكّل تجربتي الشعرية.
ثم بدأنا نكتب، ونضيّع ما كتبناه، حتى إن معظم ما كتبناه في البدايات ضاع، واستمررت في الكتابة إلى أن أصبح الشعر قريبًا من قلبي ومعانيّ.
وبرغم أننى لم أتخصص في الشعر أبدًا، لكنه رافقني منذ الصغر. هكذا بدأت التجربة؛ تأثرت بالبيت والعائلة والمحيط والمعلمين، وكانت هذه العوامل مجتمعة هي التي أسهمت في تشكيل تجربتي.
* . القصيدة العربية في ظل التحولات الثقافية والاجتماعية ،
سؤالى / كيف ترى واقع القصيدة العربية في ظل التحولات الثقافية والاجتماعية المتسارعة؟
” والله يا أخي، القصيدة العربية ما زالت واقفة وثابتة، لكنها تراجعت كثيرًا، مع الأسف الشديد. وهي تحتاج إلى عمل أكثر ودعم أكبر حتى تستطيع مواكبة هذه المتغيرات الهائلة، سواء على المستوى الثقافي أو الاجتماعي أو التقني
. قديمًا، كانت القصيدة العربية بمنزلة وزارة إعلام متكاملة؛ فقد كانت القصيدة هي التي ترفع شأن قبيلة وتخفض شأن قبيلة أخرى، وهي التي تؤرخ للأحداث وحياة الناس، وتؤصل لكل ما يحبونه وما يكرهونه، وتشرح واقعهم. أما اليوم، فقد تراجعت القصيدة عن هذا الدور الكبير.
ولا نقول إنه لا بد أن تعود إلى الصورة القديمة نفسها، لكن الحقيقة أنها تراجعت، خاصة في هذا العصر الذي يشهد ثورة علمية وتكنولوجية هائلة، إلى جانب ظهور الذكاء الاصطناعي. ولا تحظى القصيدة، وخاصة القصيدة الفصيحة، بما تستحقه من دعم واهتمام.
*- دور المؤسسات الثقافية واتحادات الكتّاب
ما تقييمك لدور المؤسسات الثقافية واتحادات الكتّاب والمهرجانات في اكتشاف المواهب الشابة؟
وهل تؤدي دورها بفاعلية أم أن هناك قصورًا؟
” أنا أفرّق بين الاتحادات الرسمية في الدول العربية والمؤسسات الأهلية. وأعتقد أنه ينبغي أن يكون هناك تعاون كبير بين هذين النوعين من المؤسسات لإنضاج المشروع الثقافي وإعداد جيل جديد
أنا لا أتحدث هنا عن الرعيل الأول أو الشعراء الكبار؛ فهؤلاء أخذوا حقهم، وإنما أتحدث عن العناية بالشباب الذين يمثلون أمل الغد والمستقبل.
اعتقد أن الاتحادات تقدم الكثير، وكذلك المؤسسات الأهلية، لكن المشكلة تكمن في عدم وجود تعاون كافٍ بين هذه المؤسسات.
هناك أيضًا تقصير في دعم الاتحادات بشكل عام. ألاحظ أن هناك دعمًا جيدًا للاتحادات في مصر، لكن في كثير من البلدان الأخرى لا يكاد الدعم يُذكر. وهذا ينعكس على الجيل الجديد، وعلى الشباب والمبدعين الصغار، الذين ينبغي أن يكونوا في مقدمة أولويات المؤسسات الثقافية.
لذلك أعتقد أن هذه المؤسسات تقوم بدور رائد، لكنها تحتاج أولًا إلى دعم أكبر، ثم إلى تعاون حقيقي بين الاتحادات الرسمية والمؤسسات الأهلية. الشعر ووسائل التواصل الاجتماعي وإيقاع العصر
*- خصوصية الأدب البحريني وعلاقته بالبيئة
* ترى هل يمكن أن نعرّف الجمهور المصري على الأدب البحريني خصوصيته، سواء من ناحية الثقافة أو طبيعة الإنسان المرتبط بتاريخ البحر واللؤلؤ والتجارة والانفتاح.
كيف انعكست البيئة البحرينية على تجربة الشعر والشعراء؟
” ليست البيئة البحرينية وحدها هي المؤثرة؛ فالشعر دائمًا ابن بيئته ومجتمعه، وابن المكان الذي يعيش فيه الشاعر. وتنعكس طبيعة البيئة على الشاعر شخصيًا، وعلى أشعاره وإنتاجه الأدبي
.وبما أننا نعد التجربة الشعرية أصدق ما لدى الشاعر لذا وجب تذكر أن البحرين في الماضي كانت رائدة بين دول الخليج العربي، قبل الطفرة النفطية، وكانت متقدمة على الجميع.
ربما تأخر حضورها في بعض الجوانب في السنوات الأخيرة بسبب قلة الدعم، لكن التجربة البحرينية ما زالت رائدة، وإن أصبحت أقل سطوعًا
لقد تأثر الشاعر البحريني، والأدب البحريني عمومًا، بالبيئة والبحر وصيد اللؤلؤ والمحار، وبصوت النهّام الذي كان يردد الألحان والأناشيد في البحر للصيادين الذين كانوا يصطادون ويغوصون بحثًا عن اللؤلؤ وعن خيرات البحر.
لقد كان تأثير البيئة مباشرًا في الشاعر البحريني، وحقق الأدب البحريني إنجازات كثيرة لأنه كان ابن بيئته وواقعه.
فالبيئة البحرينية تتمتع بخصوصية كبيرة. والبحرين لها خصوصية مختلفة حتى عن بقية دول الخليج، خاصة في مجال صيد اللؤلؤ؛ إذ كانت من أبرز مراكز هذه الصناعة في الخليج
ويضاف إلى ذلك أن البحرين كانت أكثر اتصالًا بالثقافات المختلفة بحكم موقعها واحتكاكها بالحضارات الأخرى. عندما تجمع هذا التأثر الحضاري مع بيئة مكتظة بالجمال ومفردات السحر والتنوع، تستطيع أن تفهم كيف أنتجت البحرين كمًا كبيرًا من الإبداع الأدبي والثقافي والفكري والعلمي.
أما التنوع الثقافى فقد أثّر في الشخصية البحرينية، لكن الأديب البحريني احتفظ بشخصيته المحورية الوطنية، النابعة من بيئته وواقعه ووطنه ومفردات الحياة التي يعيشها. في الوقت نفسه، تأثر بالحضارات الأخرى ثقافيًا وفكريًا وعلميًا.
أنا لا أرى أن هذا التأثر كان سلبيًا، بل كان إيجابيًا؛ لأنه أضاف إلى الأديب والمثقف البحريني أبعادًا جديدة، وفتح أمامه نمطًا من التجديد إلى جانب النمط الذي يكتب من خلاله. الشاعر بين العزلة والواقع
*- يقولون إن الشاعر إنسان يعيش بين الناس، لكنه يحتاج أحيانًا إلى العزلة كي يكتب.
فكيف يستطيع الشاعر تحقيق التوازن بين حياته اليومية واحتياجاته الإبداعية؟ وهل تولد القصيدة من التأمل الهادئ أم من صدمات الواقع؟
” ربما اختلف مع أغلب الأدباء والشعراء والكتّاب، وخاصة الشعراء؛ فأنا في الحقيقة لا أؤمن بالعزلة
. أرى أن الشاعر هو لسان حال وطنه ومجتمعه، وهو نموذج يعبر عن هذا الوطن، ويتحدث باسم الناس، ويعبّر عن أفراحهم وأحزانهم. لا أؤمن بالشاعر الذي يبني برجًا عاجيًا وينظر إلى الناس من علٍ وينعزل عنهم.
الشاعر هو ابن بيئته، وهو صوت ذلك الشاب المراهق، وصوت تلك الفتاة العاشقة، وصوت المظلومين، وصوت من لا صوت لهم.
الشاعر هو صوت الناس، وينبغي أن يبقى صوت الناس. لذلك، لا أؤمن بالعزلة.
فأنا أحيانا أكتب حتى وأنا بين الجمع. ولم يحدث أن تكلفت يومًا وقلت لنفسي: لا بد أن أكتب قصيدة غدًا.
فالقصيدة تأتي وحدها من خلال مشاهدة موقف معين، أو حادثة في فلسطين، أو مشهد يترك أثرًا في النفس، أو موقف من الحياة. الواقع هو الذي يمنح القصيدة روحها، وقد تولد القصيدة من موقف عابر أو مشهد إنساني.
وأنا أرى أن القصيدة التي يتكلف الشاعر في كتابتها، حتى لو بدت جميلة، قد تفتقر إلى الروح والحياة إذا غاب عنها الشعور.
أما عندما يكتب الشاعر وهو ممتلئ شعوريًا، فإنه يستطيع أن يقدم قصيدة رائعة. لهذا أؤمن بأن العزلة لا تناسب الشاعر الحقيقي؛ فالشاعر الحقيقي هو الذي يختلط بالناس ويعاشرهم، ويكتب من خلالهم ليعبّر عن المجتمع الذي يعيش فيه
*- كيف تنظر إلى علاقة الشعر بوسائل التواصل الاجتماعي، في ظل التغير الكبير في أنماط التلقي وتراجع إقبال الشباب على الأمسيات الشعرية؟
” اعتقد جازمًا أن وسائل التواصل الاجتماعي غيّرت الكثير من أفكارنا. اليوم، عندما أكون في أمسية شعرية وأنظر إلى الحضور، أجد أن معظم الموجودين من كبار السن، وأن عدد الشباب قليل، ويمكن عدّهم على أصابع اليد —- لماذا؟
لأن الشباب اليوم لا تستهويهم هذه الأشياء كما كانت تستهوي الأجيال السابقة. لقد أصبحوا يفكرون بسرعة، ويميلون إلى اللحظة السريعة والصورة السريعة والقصة المضحكة القصيرة. لم يعودوا يفضلون الوجبات الثقافية الدسمة كما في الماضي،
أصبح الشباب يميلون إلى المحتوى الخفيف والسريع. نعم، إيقاع العصر سريع، وأنا لا ألوم الشباب؛ لأن إيقاع الحياة نفسه أصبح سريعًا.
لكن ينبغي أن نرتقي إلى مستوى هذا الإيقاع إذا أردنا مواكبة العصر.
مشكلتنا أننا لم نرتقِ إلى مستوى السرعة التي يعيشها الناس. لذلك لا ينبغي أن نحمّل الشباب المسؤولية وحدهم، بل يجب أن نطور أدواتنا الثقافية والفكرية والأدبية حتى نستطيع الوصول إليهم
. لا يمكن أن يكون الإنسان منشغلًا بإيقاع الحياة السريع، ثم نطلب منه أن يتوقف تمامًا ليستمع إلينا بالطريقة القديمة نفسها.
لا بد أن نصل إليه ونخاطبه بما يناسب واقعه. يمكننا أن نقول إن على الشعر أن يواكب الجيل والحدث.
فالشعر ليس قرآنًا، وليس دينًا أو عقيدة؛ الشعر فن وثقافة وفكر وإبداع، وينبغي أن يواكب الحياة. وفي النهاية، فإن الآداب عمومًا ثقافة إنسانية، وليست من المحرمات،
ولذلك ينبغي للمؤسسات الأدبية أن ترتقي إلى مستوى إيقاع العصر، حتى تستطيع الوصول إلى الأجيال الجديدة
*- . المشروع الأدبي المقبل
س: أستاذ علي، ما المشروع الشعري الذي تعمل عليه حاليًا؟ وهل هناك قضية أو فكرة تشغلك في هذه المرحلة؟
” أعمل حاليًا مع صديقين على إصدار مجلة ثقافية إبداعية تُعنى بالثقافة عمومًا، والأدب والشعر خصوصًا. كنت مدير تحرير مجلة لمدة عشر سنوات، ونعمل الآن على مجلة جديدة متخصصة في الشعر والأدب، بهدف نشر إبداعات الشباب.
نريد أن تكون المجلة متخصصة في الإبداعات الجديدة للجيل الجديد، وأن تفتح أبوابها للشباب والمبدعين الموهوبين، من الشعراء والروائيين وكتّاب القصة والفنانين التشكيليين وغيرهم.
هدفنا أن نقدم للشباب مساحة تساعدهم في مسيرتهم الإبداعية، وأن نمنح المواهب الجديدة فرصة حقيقية للظهور والنشر.
نتمنى أن يكون هذا المشروع في البحرين، بإذن الله عز وجل
*- رسالة الشاعر إلى الشباب
س: أخيرًا، ماذا تقول للشباب؟ وما النصيحة التي تقدمها لهم انطلاقًا من خبرتك وتجربتك؟
” أتمنى ألا يستغني الشباب عن الكتاب؛ فالكتاب هو المرجع الأهم لأي إبداع، أيًّا كان نوع هذا الإبدا ع تجارب الآخرين معين صافى لابد من النيل منه واستخلاص تجاربهم والاستفادة منها .
فى ختام حوارنا شكرًا جزيلًا لك على هذا الوقت، وأهلًا بك في مصر، بلدك الثاني.