سألت كثيرًا من أصدقائي وزملائي في الخليج :
ماذا أعجبك في مصر؟ وماذا لم يعجبك ؟
فخرت بنفسي ورفعت رأسي عاليا في شموخ حين أجمع الكل على شيء واحد أعجبهم وهو المصري نفسه كرمه ، حسن ضيافته، روحه المرحة .
ثم طأطأت رأسي خجلا حين أجمع الكل على أن أسوأ ما في مصر ..
القمامة !
لشد ما أزعجهم في أم الدنيا تكاثر القمامة بشكل لا يطاق، يطغى على أي جمال ويشوه أي صورة جميلة لأم الدنيا.
لماذا تتراكم القمامة في مصر ؟
المصري ليس محبا للقذارة بدليل أنه يهتم بنظافة ملبسه وبيته، أما شارعه فهو في ذيل اهتماماته؛ ذلك لأنه في منزله يشعر بأنه في بيته في ملكه، في حين أن الشارع ليس ملكه، ملك الدولة وملك الحكومة، فيصب جام غضبه حين تقسو بلاده عليه .. على الشارع المسكين !
والعاقبة يدفع فاتورتها من صحته ومن بيئة مشوهة كئيبة .
أرتال القمامة تنفث رائحة الموت في شكلها البشع وما ينبعث عنها من روائح ومناظر كريهة لا تطاق تجعلنا نخجل امام العالم المتحضر .. الكارثة أن الأمر يتعدى المنظر والرائحة والضيق إلى ما هو أخطر، إذ تصيب مقالب القمامة هذه، المواطنين، بالعديد من أمراض الصدر التي تؤدى إلى الوفاة في أحيانٍ كثيرة، خاصة في منطقة شرق القاهرة.
أفاد تقرير صادر عن جهاز التعبئة والإحصاء بأن السبب الأول في وفيات منطقة شرق القاهرة يعود لأمراض الجهاز التنفسي بواقع ١٤٠٠ حالة وفاة من إجمالي ٨ آلاف فى العام الماضي بما يقترب من نسبة ٢٠٪ !
نعود إلى تفسير ظاهرة القمامة فضلا عما ذكرناه فالإجابة الأساسية تتلخص في نظرية النوافذ المحطمة :
أجرى فيليب زمباردو، وهو عالم نفس واجتماع، تجربةً في عام 1969 أصبحت فيما بعد واحدةً من أشهر التجارب في دراسات علم الجريمة بشكلٍ خاص وفي العلوم الاجتماعية على نحوٍ عام. فقد قام العالم بترك سيارتين بأبوابٍ مفتوحةٍ ولوحات أرقام مفقودة في منطقتين مختلفتين، إحداها في حيٍ فقير والأخرى كانت في حيٍ غني.
بدأ المارة في الحي الفقير في سرقة وتخريب السيارة في بضع دقائق وتم تدميرها بالكامل في غضون ثلاثة أيام، واستغرق الأمر وقتًا مشابهًا للحي الفقير لتحويل السيارة بالكامل إلى خردة في بضعة أيام.
تشير نظرية النوافذ المحطمة إلى تأثير الفوضى والتخريب على المناطق الحضرية المتمثلة في الجرائم والسلوكيات المعادية للمجتمع، ويمكن اختصارها في:
الكبائر تبدأ بالصغائر، أو معظم النار من مستصغر الشرر.
يرى واضعو النظرية أن الجريمة هي نتاج الفوضى وعدم الالتزام بالنظام في المجتمعات البشرية. إذا حطم أحدهم نافذة زجاجية في الطريق العام، وتُركت هذه النافذة دون تصليح، فسيبدأ المارة في الظن بأنه لا أحد يهتم، وبالتالي فلا يوجد أحد يتولى زمام الأمور، ومنه فستبدأ نوافذ أخرى تتحطم على ذات المنوال، وستبدأ الفوضى تعم البيت المقابل لهذا النافذة، ومنه إلى الشارع، ومنه إلى المجتمع كله. لا تقتصر النظرية على النوافذ المحطمة، بل تشمل السيارات المهجورة، ومراتع القمامة، والأركان المظلمة من الحواري والطرقات. وقد تكون البداية من مشكلات بسيطة نسبيا مثل الفوضى العامة، لكنها في الواقع تمثل دعوات إلى المزيد من الجرائم الخطيرة. فكم من شيء بدأ كمشكلة بسيطة ثم تتطور في تعقيدها بعدد من المراحل والدوائر لتصبح نقطة تحول لنوع من الجرائم الخطيرة المنظمة، فيجب أن تردع تلك الأفعال من البداية قبل تفاقمها وتطورها وأخذها منحنيات أخرى.
وهي نفس النظرية التي تفسر تراكم القمامة، فإذا ترك أحدهم بعض القمامة في حديقة عامة، ولم تتم إزالة تلك القمامة في وقت معقول، ولم تطبق أي عقوبات على من رماها، فإن ذلك سيؤدي إلى قيام آخرين بنفس الفعل في الحديقة ذاتها وفي غيرها وستتحول الحدائق إلى مقالب قمامة، ينفر الزوار منها كما هو الحال اليوم في أم الدنيا .
قس على ذلك ترك أمورا هامة دون الجزاء الرادع ما يؤدي إلى استفحال الأمر إلى ما لا تحمد عقباه، فإن تجاهل المشاكل الصغيرة اليوم سيؤدي إلى مشاكل أكبر بكثير في المستقبل.
في الواقع، كثير من القضايا الصحية والبيئية والاجتماعية التي نواجها في يومنا هذا ماهي إلا نتاج تراكمات لأفعال وسلوكيات وظروف خاطئة صغيرة تم تجاهلها وعدم معالجتها في الماضي.
لذا نرجو من الجميع محاولة إصلاح النوافذ المحطمة في حياتنا حتى يحظى أطفالنا والأجيال القادمة بمستقبل أفضل .
نعود إلى القمامة التي تمثل سلاحا ذا حدين إذا أحسن استغلالها فهي كنز سيدر علينا المليارات وإذا أهملناها فالثمن غال من صحتنا بل أرواحنا !
تقدر قمامه مصر ب70 مليون طن سنوياً و 22 مليار طن تراكمات قديمة للقمامة تعد من أغني انواع القمامة في العالم، حيث يصل سعر الطن الواحد الي 8000 جنيه لما يحتويه من مكونات مهمه تقوم عليها صناعات تحويليه كثيره، كما أن مصر تنفق حوالي 28 مليار جنيه سنويا علي كلفه التدهور البيئي وفقا لتقرير صادر عن وزاره البيئه.
وتخلف القاهرة وحدها قرابه 13 الف طن قمامه يومياً، ويمكن للطن الواحد أن يوفر فرص عمل لـ 8 أفراد علي الأقل، ما يعني أنه يتيح توفير 120 ألف فرصه عمل من خلال عمليات الفرز والجمع والتصنيع.
وأكد المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أنه يمكن الاستفادة بالقمامة في صناعه أعلاف الماشية وهو ما يعني-وفق التحليل الرقمي- تحقيق عائد قدره مليار جنيه وتشغيل 250 الف شاب وفتاه ورفع المستوي الصحي وتجنب امراض خطيره تكلف وزارة الصحة 600 مليون جنيه سنويا.
للأسف الشديد لا توجد مدافن صحيه في مصر مطابقه للمواصفات البيئية الصحية السليمة، وذلك لعدم وجود وعي بيئي مناسب يساعد علي التخلص السليم من القمامه.
ثم نسأل عن سر تفاقم مشكلة القمامة في مصر ؟
إذا عُرف السبب بطُل العجب !